السبت، 13 فبراير 2016

أصائـلُ باريـس


لو كان ما سأنثره، هنا، يعدو اليوميات إلى القصّـةِ القصيرة لراهنتُ، بغير قليل من الثقة، على "دافقَة الباغيت*" كعنـوان بليغ لها، أتملاّهُ إذ هـو يقزحُ بالألوان، نكهتهُ متبّلـة وموسيقاه ذات وقع على الأذن كما الأناغيم، أنظرُه وقد استوى كوكتيلاً فيه من الشاعرية بقدر ما فيه من مسحات النوستالجيا، من العجائبيّ ومن المجازيّ والأسطوريّ كلّ أخذ لـه نصيبًـا وإلى العنوان أعطى...
ككلّ مسـاء، قطعتُ المائة متر التي تفصلُ، أو بالأحرى تربِط البيت بالمخبزة، وهي رصيفٌ قديم التبليط، قوالبه المستطيلة التي رصفتها، بمهارة، يدٌ فنّانـة انقسمت ألوانها بين القانيّ وما هو بلون النبيذ، وسأقرّ، لم تُسعِفني، إذّاك، معارفي، وأنا الطالب السابق شعبة الهندسة المدنية، في القطع بما، مِن اللونين، لهُ الأسبقية، لكنّ المرجّح، والطبيعة، لا أعرفُ لماذا، يحلو لها تدكينَ الأشياء، أنّ القوالِب الحجرية كانت، كلّها، في البدء، بوردوليّة الحُمـرة، ومع الزمن أعملَت الطبيعةُ الريشةَ والإزميل، على ما تشاء، من حجرٍ، وعفَت عن ما تشاء، بالطّبـع ثمّـةَ ما ستتفلسف به العلوم في هذا الموضوع، وسيكون من شأنِ رأسي، فيما أسمعُ تلك المعادلات الكيميائية وتلك العناصر يحمل أغلبها تسميات على أوزان الفعلون والتفعولين والتفعيلان، أن يُصابَ بالصداع، كاملِهِ ونصفيّه، وهي، لستُ آتي جديدًا، تفسيراتٌ صحيحة كلّ الصحّة، أمّا أن يكونَ اسم المفسِّرات العلوم الدقيقة فتلكَ هرطقة وسقط كلام، لا أذكُرُ عالمًا رأيتُـه يخوضُ في اكتشاف جديد إلاّ وومضت في تقاسيم وجهه، وفي إيماءاته، وفي نبرتِـه تردّدات واهتزازات وأطيافَ توشـي بعدم ثقتِـه فيما يخوضُ تلك الثقـة المطلقـة، كان الأَوْلى أن تقصر تسميةُ تلك العلوم بالعلوم وكفى، أمّا الدقّـة فلا معادٍلَ لها سوى الموات، الدقيقُ من الأشياء يستدعي بلوغ أطراف الجذور، يرسو في الضفاف، وهذا، للمفارقة، يُناقِضُ بسملـةَ علومٍ لا نهايات لها ولا ضفاف...أعتقِد أنّ العلوم لا يمكنها أن تكونَ بذلك العداء للأديان وإن ناكفت هذه تلك وقزّمت تلك هذه، فهي، أيّ العلوم، وإن أنكرت زمرة من العلميين، لا تخلو من إيمانٍ بماورائيّـات تُغري ببلوغ مراتعها، وفي اللُهـاثِ السُرمديّ إليها، بالضبط، تكمُـنُ منجزات الإنسانيّـة...
عند عتبةِ المخبزة زجاجيّة الواجهة انتهت مسيرة المائة متر، وقبل ذلك بخطوات، في لحظة بالغة القصر، سطعت شمسُ المغيب، ثمّ اختفت، تلألت، على نورِها رمّانيّ اللون، خضرةُ طحالِبٍ طابَ لها أن تزدهر في البقع غير المطروقة من الرصيف، وفي جذوع الشجر ومنابت الجدران، شعّ الفاتح منها حتّى تحسبُ أنّه بسبيلِه لأن يضيء، وظلّ الغامقُ على غموقه وإن بدا لي أنّه على شيء من اللين، أو ربّما الضُّعـف، أمام الضوء، كـان على استعداد، لو طال بالشمس المقام، أن يتنازَل، شيئًا فشيئًا، على حلكتِـه...
كنتُ، وأنا أبلغ عتبة المخبزة التي تلوّنت إطارات واجهتها بالأحمر، مملوءً بزهـوٍ وثقـةٍ تداني الخيلاء، فالحذاء الجديد الذي انتعلته كان لسوادِه، وأنا أسير على الرصيف، لمعان، ولجلدِهِ صوتٌ بين الأزيز والصرير، وللدفء الذي أشاعه في قدميّ لذّة، ثمّ إنّني، وأنا أطرقُ به تلك الحجارة الصلدة، القانيّ منها وما هو بلون النبيذ، تبيّنتُ الصوتَ فإذا به صوتان، أوّلهما ما بلغني من قدمي اليسرى، وكان حادًّا، على درجة من الصرامة، فيما بدا الآخرُ، طرقُ القدم اليمنى، كرجع صدى لليسرى، رخوًا، إن صحّ وصفُ الأصوات بالرخاوة، ممطّطًـا، كانت القدمُ اليسرى، رغمَ تماثُلِ فردتيْ الحذاء، تضربُ في الأرضِ بثقـة وعزم، وكانت هيَ القائدة ومايسترو المعزوفة، معزوفة الحذاء، إلاّ أنّ هذا التباين بين الطقطقتيْن هو ما جعلني، طوال الطريق إلى المخبزة، أستمتِع بقطعة من الموسيقى لم تكُن بذلك الجمال لو تساوت الطرقتان...
دفعتُ الباب فرنّت، فوق رأسي، أعوادٌ مربوطة إلى السطح بسلك لا يكادُ يرى لرفاعته، كانت في حجم أقلام الرصاص، أمّا ألوانها الزاهية الراقصة ورنينها، فيما كلّها ينطحُ الكلّ، فقد عزفَت، هي الأخرى، ورسمت ما فاق قدرات حذائي والطحالبِ وقوالب الرصيف الفنيّـة، وصنعت، فوق ذلك، بهجةً تنمّ بصلة غامضة إلى عوالم الطفولة، يعوزُني التخمين في الصور التي كانت ستوحي بها هذه الأعواد الرنّانة إلى العجوزين، زوج وزجته، اللذيْن تجاوزتهما في طريقي إلى هنا، وكان لهمَـا، قبل أن أفعل، اليدَ العليا على القدم اليسرى فإذا بها تخفّف من حدّة المعزوفة وتضبطُ إيقاع السير بحسب مشيتِهما ذات التوقّفات العديدة، انشغلتُ بهما للحظات، تلفّع العجوز بمعطفٍ صوفيّ أسود، اعتمر برنيطة بنيّة، فيما جرجرت زوجُه شبشبًا قطنيًا بلون الورد، غطّت رأسها بإيشارب رماديّ ولفّت أطرافه، زيادة في الإحتراز، بعنقها، رأيتها تتوقّف، فتوقّفتُ بدوري، استدارت بنظّارة طبيّة ثخينة الزجاج إلى زوجها كمن تتحرّى صدقَ ما قاله، أمّا هو فقد كان يردّ عليها من فوق كتفه، دون أن يوقِفَ خطواته الوئيدة، بابتسامةٍ ووجهٍ بالغ الطمأنينة، تلتحق به وتحدّثه، من جديد، بصوتٍ ضعيف لم يسعني تبيّن كلماته فيردّ عليها، تتوقّف ناظرةً النظرة عينها، يستمرّ هو في سيره ويطلّ عليها من فوق كتفه على نحوٍ صيّر الزوجةَ، في نظري، لا يعيبها، أمام ابتسامتِه تلك، لو تصابت كعذراء، أربعُ همسات بأربع توقّفات ناظرة بأربع ابتسامات وضيئة كانت علاقتي بالعجوزين قبل أن أجدَ في تحيّتهما أفضل طريقة لبقة لتجاوزهما، وأسِفتُ، من وقفتي داخل المخبزة، عندما لمحتهما، عبر الزجاج، بنفس المشية، يمضيان في طريقهما دون أن يدلفا المخبزة، دون أن يمنحاني متعة تملّي وجهيهما لحظةَ ترنّ فوق رأسيهما تلك الأعواد الملوّنـة...
إنتظرتُ دوري، وقد سبقني كهلٌ سمعته يصفُ إلى البائعة نوعَ كعكعة عيد ميلاد طفلة، وربّما امرأة بالغة، تدعى إيميلي، وهو نفس إسم الطفلة إيميلي، ابنة بائع التبغ الذي عرّجتُ عليه قبيل مصادفتي للمُسنّين، سألتُ والدَها لحظةَ وضعَ أمامي علبة السجائر، فزمّ شفتيه الرفيعتين وهزّ رأسَه كالمتألّم وقال "إنّها مريضة"، لم يكُن من شأن الأسى المرتسَم على وجه والدها ليفاجئني، حتّى عندما علمت بأنّ مرضها بسيطٌ لا يعدو الزكام، فعلاقته بإيميلي وعلاقتها به غايةٌ في التناغُم، تتعدّى تلك العلاقة بين أبٍ وطفلةٍ في الخامسة من عمرها، أصادِفها في كلّ مرة أذهب إلى هناك، إلاّ فيما ندر، وفي كل مرّة أُعجَبُ بذلك المستوى الذي يحادِثها به، وبردودهـا الذكيّة التي تتجاوزُ عمرها بمراحل، كان جوّ متجر التبغِ اليوم على درجة من الصمت الكئيب، كلماتُ البائع، الذي لا أعرف بعد اسمه، وعلى اختصارِها راح يجهدُ لدفعها دفعًا كأنّـهُ هو المريض، احترمتُ حالته وودّعته، متنيًّا لإيميلي الشفاء، حتّى قبل أن أخفي علبة السجائر في جيبي...
فرغ، أخيرًا، الكهلُ من إملاء مواصفات ومكوّنات كعكة عيد ميلاد إيميلي، وفرغت، معه، البائعـة من التدوين قبل أن تصفق غلاف دفترها الصغير بنفسجيّ اللون، وهي تنظر بحزم إلى الكهل، وتضعُ القلم عليه فيتكّ، بما معناه "تمّ الأمـر"، قبل أن تنطلق عضلاتُ وجهِها بابتسامةٍ مودّعـة لا يملك الكهل، معها، إلاّ أن يذهب مطمئنًـا راضيًا غايـة الرضا...وجاء دوري وقد أصابتني، مسبقًا، وأصَبْتُ عدوى من طمأنينة الكهل...
يسوّر الشارع ،الذي قطعته إلى بائعة الخبز، بنوعٍ من أشجار السنديان، جذوعها تمتلئ بأشكال كالخرائط، يابستها ذات لون فضيّ باهت فيما بحارٌ تلك الخرائط، في مثالنا، فضيّتها أكثرُ لمعانًا، أغصانها، عدا الرئيسيّ الذي يستمرّ به الجذع، رفيعة، إبريّـه تتجّـه كلّها إلى الأعلى، تعرّت، والوقت شتاء، من أوراقها التي لا تختلِف، في شكلها، عن ورقة القيقب التي تتوسّط راية كنـدا، أمّا ثمرها الذي يبقى عالقا بأمّه لسنوات فكرويّ في حجم حبّة البلوط، تملأ قشرته الغضّة أشواك، رأيتها، اليوم، كأنني أنظرها للمرّة الأولى، فعريُ الأغصان، بخلفية من سماء تمتلئ بغيوم تتدرّج ألونها من الأبيض إلى الرماديّ الضارب إلى السواد، لا تقلّ، روعةً، عنها وهي ترتدي سندُسها في الربيع، كانت، وهي تبدو كالجطب الخالي من أيّ حياة، ترسمُ على السماء خطوطًا سوداء يفعلُ فعلَ خطوط اللغة على الصفائح البيضاء...
مع الوقت، تأتلِف الوجوه وتنزاحُ تلك الغربة فاسحةً المكان للارتياح والطمأنينة لتحتلّ المكان، وهكذا انتهى الأمرُ بي وببائعة الخبز إلى أن اعتاد كلّ منّا ملامِح الثاني، أشدّ ما شدّني إلى هذه المرأة الأربعينية، ليس أناقةِ ملبسِها، وليس سراويلها اللاصقة التي ما كانت لتشفّ عن بياض الماتحت لولا لونها الأسود، وليس مريلتها الوردية التي تغريني، وربّما أغرت غيري، عقدة رباطها، على شكل زهرة بتويّجات ثلاث، أسفل ظهرها، وهي تستدير لتلقط الخبز، بأن أمدّ يدي لأحلّها، وليس الذي شدّني ذا علاقة بروائح المخبزة والتي امتزج فيها عطر الحلويّات بعبق الخبز الخارج لتوّه من الفرن برائحةٍ تشبِه رائحةَ طحين الشعير يتدفّق من فوهة الرحى بعطر خاصّ لا تضعُ هذه المرأة غيره، وليسَ ما شدّني ألوانُ الخبز بأنواعه الذي بلغ تناغمها مع لون الرفوف، حيثُ تقفُ الأرغفة، درجةً تشكّ في أنّها رفوفٌ من خبز ناضج لا من خشب، ما شدّني قبل كلّ هذا وحتى أكثر من الأعواد الملوّنة ونغمها الطريقة الإحتفاية التي تكرّر بها طلباتي، بابتسامتها التي يستدير عليها وجهها ذي اللون الشبيه بلون رغيف نصفِ ناضجٍ من دقيق الذرة، تمنيتُ لو ملكتُ تسجيل احتفاليتها وموسيقى صوتها لحظةَ تكرّر، من خلفي، كلمة Baguette، كانت باؤها رقيقة في حين أن بائي، وأنا أنطق الكلمة، كانت مفخّمة شأن اللسان الفرنسيّ، وباؤها غيضٌ من فيض، فالباء كانت كومًا والباقي كومًا آخر تابعًا لها، كانت الكلمة تسيل من فمها، بل كانت ذاتَ دفقٍ...ذاتَ سحر...
ــــــــ
*- نوعٌ من الخبز الفرنسيّ

الخميس، 11 فبراير 2016

ألوان

مغرمٌ، مُذ كنت، بلعبـةِ الألـوان حدّ الهوَس، تتبّعتُهـا في لوحات الرسّاميـن فانتهيتُ إلى مللِهـا، في النصوص والقصائـد فبدا لي كثيرُهـا مبتذلاً حدّ السذاجـة، أمّا في حقولِ وبساتيـن المتّيجـة فلم تشـأ، هذه الألوان، بكلّ أطيافها والدفء والصقيع، بتناغمها مرّة ونشازها أخرى على عباءات الثعابين والحرابيّ، بطون الضفادع وحلَمات الأناثي من الخنازير، توت الأرض في التربة الرملية، لِحاء الصفصاف والزرابي الطحلبيّة تفترِشُ البِـرَك الآسِنـة، قطعُ الفحم تلتصقُ بأرغفةٍ خارجـةٍ لتوّهـا من الفرن الطينيّ، شعرات سوداء تطعنُ، على أديم الحليب، فقاعات تأبى أن تنفجِر، كلّ هذه المشاهد اللونية أبت إلاّ ان تظلّ على طفولتِهـا وأنشودة "ما أجملَ الجوّ هنـا"، ثمّ، وسنـة، من سنيّ عمري، تقتفي أثرَ الأخـرى، وجدتُ نفسي، ولأسباب بالغة الغموض، أضيّق زاويـةِ اللعبـة وأحاصِرُهـا في استدارات الوجوه، يملؤني شعورٌ كالظّفَـر. هُنـا، في الوجوه، تململت الألوان وصارت ذات حيـاةٍ، ذاتُ شطحـاتٍ ورعشـة، أعجِبـتُ بغنجها، غنجُ جاريـةٍ خلفَ قضبان لا مرأية، لمستُ، هناك في الوجوه، أحمرًا، أصفرًا، أسودًا، أبيضًا، ازرقًا، حمرًا وحمراوات، صفرًا وصفراوات، سودًا وسوداوات، بيضًا وبيضاوات، زرقًا وزرقاوات، عيناي، قبل هذا، كانت ألوانها لا تُخاتِل، وإن خاتَلَت فبطريقة مفضوحـة، خلافَ ألوان الوجوه، تخاتِل وتكسَب، تنفضِح إلاّ لحظة تشاء ذلك، الأحمرُ من الوجوهِ مِنـهـا السعيـد، الخائف، المنتشي، السقيم، الديّوث، الحسود، السكران، والأزرقُ منها ما هو ميّت، ومن في لحظـةِ مخاض، الزرقةُ أيضًا، وإن أتَت ومضيـة، تمرّ كسحابةِ على وجهيّن يباشِران آخرَ مراحِلَ المضاجعة، الأزرق يكسو أيضًا، بسرعة الضوء، وجهَ من فاجأه السعيد من الأخبار، أمّا الألوان ممّا لم أذكُـر فالصحفُ تضيقُ عن حملِهـا والأقلام تجفّ ولمّا تسعَـد بتعداد شطحاتِهـا، هكذا هي الألوان في الوجوه وهكذا بدت لي...

الجمعة، 5 فبراير 2016

أصائـلُ باريـس


كانوا تسعة عشر عشرونُهُـم أنـا، الثاني من حيث السِنّ، تاسِعُ الجنوبيين، خامسُ الرجال، رابعُ الشرقيين والأفريقي الوحيد العربيّ الأوحَد، تضمُّنـا، في أحد الأقسام الجامعيّة، حيطانٌ أربعة بيضاء تلمعُ فيها نقاطٌ فضيّة، شفّت النوافذ، يسارَنا، على أسطحٍ نفثت أغلب المداخن النابتة فيها أفعوانات بخارية قطنيّة اللون، بدت المدينة من هذا العلوّ غيرَها ما كنتُ أقطع منها الشوارع والميادين منذ لحظات، كالحةً حزينة لا أثر للحياة فيها، ومن هناك، في الأفق، وقفَت، مخترِقةً سماء الأصيل الرماديّة، أربع رافعات حديديّة بروَزَت المشهد وختمَتـهُ بالكآبة وبالبرود...
أرجوكُم، هكذا بدأت المدرّسةُ حديثَها، نادوني ماري دون ألقاب، بلغتُ لتوّي ستًّا وعشرين سنـة، أستاذة بدرجة ماستر في الأدب واللغة الفرنسييْن، وعلى النولِ نفسِه تعاقبنا، نحنُ الطلبة، نسج تقديمِ أنفسِنا مع تغييرِ طفيف على ما نسجته ماري، حيّدنا "أرجوكُم" وحلَلَنا محلّها جنسيّةَ كلّ منّا، تكلّمت الآسيويات الثلاث، الصينيّتان والفيتناميّة، أوّلاً، بكلمات فرنسيةٍ ولكنة آسيوية لا زالت تعقِل ألسِنتهنّ، ولا يظهر أنّها ستتنازل في مقبِل الأيّام، كُنّ، كما بدون لي، يجاهدنَ لإطلاق ألسِنتهن فيما الألسنة أصابها مسّ من حِران، بل وتقهقرت محبّذة الإلتصاق بسقف الفم، كنّ ينطقن الكلمات، حتّى قليلة الحروف منها، مجزّآت على ثلاث وأربع واثنيْن، انتهى كلّ مقطع، وصُفِّد، مثل السجين، بحرف وسط بين الكاف والقاف، شعرتُ بمعاناتهنّ، بل وجدتُني، في لحظة من اللحظات، أشفِقُ عليهنّ وأتعاطف، ثمّ في لحظةِ تالية غمرتُهنّ، لتلك الشجاعة، بنظرة إعجابٍ وإكبار، كيفَ لا وقد صِرنَ بكليتهنّ طرفًا في معركة تدورُ في عمق الأفواه الثلاثة، كانت معركةً حقيقة لا يبعد، معها، أن تكون جباههنّ قد تندّت وظهورهن سرى فيها خيطٌ من العرق البارد...
بعد الآسيويات اللائي أشحتُ عنهنّ عينيّ وقد ارتسمَ على ملامحهنّ تعبيرٌ لم يسعني تحديدهُ أإنهاكٌ خالصٌ هو أم راحةٌ أعقبت الإنهاك، تحدّث الإيطاليون، فتى وفتاتان نابوليتانيّون، تفعمهم ثقةٌ في النفس قد تكونُ بقايا من عزّ الإمبراطورية الرومانية، لاحظتُ في الفتاتين خاصّةً، بعد أن قدّموا ثلاّثتهم أنفسَهم بفرنسية على سُلّم نوتات إيطاليّ، لاحظتُ في طريقة حديثهما أنّ ثقتهما بالنّفس أضفت عليهما، عندما تحادثتا بلغتِهما ذات حروف العلّة الممطّطة المنتهية بهاء مخفّفة، طابعًا من الشبق، أمامي تمامًا جلست ألمانيةٌ لم تسعفها قامتها في إخفاء ميلِها للبدانة، بدت متحفّظة، محترِسة، لا تشجّع على ربط علاقاتٍ بها، تبتسِم إلى الآخرين بمن فيهم الأستاذة، بقدرٍ موزون بعيارات غاية في الدقّة، هذا النوع، قلتُ في نفسي، عكسَ ما قد يبدو عليه، يغري بالمغامرة، بإخضاعِ التِقنيات للتجريب، لستُ أدري لمَ ومَضَت في ذهني صورة المستشارة الألمانيّة لحظةَ استدارت إليّ مواطنتها، فيما كنتُ أقدّم نفسي، وقد شدّها لِسانيّ الفرنسيّ الفصيح، على يميني جلست، في شبه خمول، مكسيكيّة اسمها غابي، لا يمكنُ لمن يراها أن يُخطِئ أصولها المنحدرة من قبائل الهنود الحُمر، كانت بوجهها ذي البشرة البيضاء المائلة إلى الصفرة، بشعرها الطويل المسدل على كتفيها، بعينيْها الباسمتين على الدوام، بنحافتها المستحبّة وحركاتها الطفوليّة، بعفويتها وهي تمدّ أناملها تمرّرها على ظاهر كفّي في أثناء نقاشٍ هامشيّ دار بيني وبينها حول كلمـة Peau، كانت بضحكتِها الأنفيّة الخجولة التي أتتها بعد أن لمحتُ، بين أوراقها، رسمًا بقلم الرصاص سألتُها عنه، لتجيبني أنّه وجهُ والدها الذي اشتاقت إليه، كانت بعدم معرفتها لأوكتافيو باث، بعدم اهتمامها بسوى تخصّصها التقنيّ، كانت كلّها أشياء تحرّض واحدًا مثلي يحبّ الاكتشاف حدّ العشق إلى الطمعِ بفتحٍ جديد، فتح كفتح كولومبوس بغير دماء بغير استعباد بغير تفكيرٍ في اللحظـةِ التاليـة...

الخميس، 4 فبراير 2016

أصائـلُ باريـس


كنتُ، فيما هي تُمطِرُ، أتأمّلُ، من تحت ظِلّـة المحطّة، صورةً إشهاريّة لفيلم شغلت كلّ الجدار الجانبيّ للمحطّة طوله وعرضِه، صورةٌ نصفية لحسناء، شقراء تلك الشقرة التي تغلب على الإسكندنافيات، ترنو بعينيْن سرابِيّتيْ اللون مخاتلتيْن، لا هما زرقاويْن صرف ولا خضراويْن ولا عسليتيْن وهما كلّ ما ذكرت، صفحةُ وجهها البيضاء المشرّبة بحمرة عند الوجنتيْن وأرنبة الأنف بدَت وكأنها غُسِلت، لتوّها، أو جُفّفت من دموعٍ انهمَرت عليها في لحظة انفعال، بدَت طلعتها التي لا تخلو من قوّة ومن صلابة وكأنّها مقبلةٌ، أو ربّما مدبرةٌ، على مشهد ممعنٍ في الحساسيّة، لحظةُ مفصليّة في حياتها وحياة من كانت ترمقه، ضمّت أنملتيْ سبابتها وإبهامها على ذراع نظارة مرآتية توقّفت عند منتصف خطّ انحدار الأنف، وبلغت تلك اللحظة، بالنّسبة لواحدٍ مثلي لم يشاهد الفيلم بعد، درجةً من المأساة تحوّطت بأن لا تُسعِفَه الصورة، وقد سكَنت بغير قليل من الإستفزاز، في القطع بأنّ الشقراء بسبيلِها إلى إزاحة النظّارة من على عينيْها أو إلى مواراتِهما بها، ارتدَت معطفًا أسودَ من جلد تناثرت على الكتفين منه ندفُ الثلج، شعرها الأصفر ذو الأعماق الطوليّة المائلة إلى السواد علقت به، أيضًا، حبيبات القطن الثلجيّة كأنها الفوانيس، وقدّر لندف أخرى، كما النظّارة، أن تبقى جامدةً في الهواء لا أعرِف أإلى اليمين سترقُص أم إلى اليسار ستميل، ورأيتُ من الندفِ ما عكسته زجاجتا النظّارة، ندف ثلجيّة وأخرى ذاتُ لونٍ ناريّ متوهّج أثارت فيّ، بغير قليل من الشعور بزنق الوقت، رغبةً قاهِرة في الاقتراب من شيء دافئ... و، إلى ذلك، الرسوّ على قرار عدم مشاهدة هذا الفيلم حتّى وإن أتيح لي ذلك، خشيتُ أن لا تكونَ لقطة الفيلم المتحرّكة في مقام ما غدقت به الصورة الساكنـة، ولو تبرنس بعضه، بعض السكون، لبوسَ المأساة...
ومن فوهات خفيّة أسفل مقعدي، داخل الحافلة، تصاعدت، أخيرًا، تيّارات دافئة غمرتني بخدرٍ لذيذ أزاحَ عن اللون الرماديّ، خارجًا، كلّ صلةٍ بالكآبـة، جعلتُ، في دخيلتي، أتمنّى أن تزيد قطرات المطر، ومعها البرودة، ومعها القتامة، ومعها الليل الذي جعل يدنو، فوّةً وقرسًـا وغموقًا وحلكةً، ومعها رحلتي بأن تكونَ بلا محطّة تاليـة...
في المحطّة الثالثة، وكانت لذّة الخدر، وقد اعتدتُها أو كِدت، قد يدأت تزايِلُني بنفسِ إيقاع حلاوة مضغات الشوينغوم وهي تنسحِب، إلتقطتُ من محفظتي، على سبيل تدارُكِ انزياح لذّة بجنيسةٍ لها، كتابًا سحرتني أجواء صفحاته الأولى التي قرأتها من يومين، لكن وأنا أفتحه على الصفحة 38 حيثُ توقّفتُ، عند متراصفات من الأسئلة والأجوبة التي جرت، في اتّصال هاتفيّ، بين المحلّل النفسيّ الصينيّ الذي عاد لتوّه من فترة دراسات عليا بفرنسا، وبين زميلة قديمة له تعمل كمحنّطة للجثث، وقد توفيّ زوجها وصارت إلى أرملة في الأربعين، هنا كانت قد توقّفت قراءتي ومن هنا، والحافلة تتوقّف في المحطّة الثالثة، عزمتُ وصلَ ما قرأتُه مع ما سأقرأه، لكن لا شيء من ذلك حدث، استهوتني تلك البطاقة ذات الطبيعة النابضيّة التي أتوسّلها لتأشير الصفحات التي أتوقّف فيها، بطاقة بلاستيكية مستطيلة بطول علبة السجائر وعرضِها يغلب عليها اللون الأسود، لم أكُن قد انتبهتُ من قبل أنّها بطاقة "وفاء" تخصّ الماركة العالمية Jules، ولم أذكُر، فوق ذلك، أين ولا متى عثرتُ عليها، رحتُ أمرّر رأس سبابتي، وقد أغلقتُ الكتاب ووضعته على فخذيّ، على تلك الكتابة والأرقام البارزة، وعزفتُ لحنًا، أحسستُه أكثر ممّا سمعتُه، فيما كنتُ أمرّر، جيئةً وذهابًا، ظفري بأعمدة الرمز الشريطيّ (Le code-Barre)، كان لحنًا ينطلِق في طرف الشريط مخشوشنًا وينزعُ، شيئًا فشيئًا، إلى الرقّة والعكس، يقترب من صوت آنية القهوة عندما نملأها، يرقّ الصوتُ كلّما ضاق عنُقُ الزجاجة واقترب السائلُ من الفوهة، وفي لحظة ما، والحافلة تبلغ رابع محطّة، غطّت على لحني وعزفي كتكتةُ أطفالٍ وصخبهم، صعدوا إلى الحافلة يقودهم شابّ زنجيّ يلمعُ في شحمة أذنه قُرطٌ كريستاليّ بحجم وشكل حبّة البنّ، وبأوامر صارمة وقسمات لا لين فيها أخذَ يعيّن لكلّ طفلٍ ولكلّ طفلة المكان أين يجلس وتجلس، عدتُ إلى الكتاب على اهتزاز الحافلة المعلنةِ استهلالها الرحلة، أتلصّص على تلك المكالمة الهاتفيّة بين المحلّل الصينيّ وزميلتِه محنّطة الجثث التي صارَت ذاتُ لقبٍ من بين ما يوحي إليه عطش جسدِها، لكنّني وجدتُنـي، للمرّة الثانيّة، أنشغِلُ عن الجمَل وعن العبارات والأوصاف، فقد حلّ محلّ البطاقة المستطيلة، هذه المرّة، وجهُ الطفلة التي قادها الزنجيّ صاحب القرط إلى الجلوس بجانبي، لمحتُها بطرف وهي تنقلُ نظراتها بين الكتاب المفتوح أماميّ وبين وجهي، تظاهرتُ بأنّني لم أنتبِه إليها، وهو تصرّف، بالنّسبة لطفلةٍ في السادسة أو السابعة، استصغارٌ وعدم اهتمام، ثمّ رأيتُها، وقد بلغ استفزازي اللامبالي لها درجةً لا سبيل إلى طاقتِها، تسندُ رأسهَـا وتنفخ، في تظاهرٍ ومسرَحَة، أنفاسًا وتأفيفًا تحرّكت عليها حوّاف الصفحةُ التي تظاهرتُ أنّها استغرقتني، كانت تُنيم خدّها الأيسر على ظاهر كفّها المسند بحافّة المقعد الذي أمامَنا، أغلقتُ الكتاب فربّما، قلتُ في نفسي، أنّني بهذا سأهيّئ لها مجالاً لتكون البادئة في الحديث، إلاّ أنّها وكأنّي بها ردّت إليّ الإساءة بما هو أسوء، عوض أن تكلّمني راحت تمسحُ آثار كتابات طفوليّة حمراء وخضراء من على راحتها، كنتُ أنظرُ إلى أصابعها وهي تتابِعُ، محوًا، الخطوط والحروف عندما صرخ الزنجيّ الواقفُ في الممرّ "اقتربنا من المحطّة سننزل يا أطفال"، شعرتُ بشيء كالضيقِ، فقد تعشّمتُ في أن تطولَ تمثيليّتي والطّفلـة أكثر من هـذا، وفيما كانت الطفلة تهمّ بالوقوف وتفحصُ حقيبة ظهرها رفعتُ كفّي أمسحُ بها على شعرها، استدارت إلي وابتسامتها تشعّ في وجهها، سألتني، بسعادة، وعلى نحوٍ بدت معه كلماتها مزنوقة تحاولُ الكلمةُ رفسَ سابِقتها، شعرتُ بالذنب وأنا الذي حرمتُها من حديثٍ كان قد يدخِل إليها بهجةً وسرور، سألتني "هل أنتَ حزائريّ ؟..." أجبت، فيما كانت قد ابتعدت في الرواق قليلاً، "نعم أنا جزائريّ"، وعند الباب المشرّع، وقد ابتسَم إليّ الشابّ الزنجيّ وأمسك بكتِف الطفلة يستمهلها ليتيح لنا اتمام حديثنا صاحت، وفي وجهها تعبيرٌ مثلَ التحدّي "أنا أيضًا جزائريّة"، من على الرصيف رأيتها من خلف الزجاج، رفعت يدها تودّعني ورأيتُ شفتيها تتحرّكان بما لم أستطِع تبيّنه من كلمات...تذكّرتُ، بعد وقت، أنّني لو أبكرتُ في الحديثِ إلى الطفلة كنتُ ربّما عرفت، على الأقلّ، اسمها، ثمّ بدا لي الأمرُ، هكذا كما تمّ، أسحـر، فربّما كان غير ما حدث يزيلُ السّحر عن حديثي إلى الطفلة مثلما قد يزيل الفيلم المتحرّك ما وجدتُـهُ في صورة الممثّلة الصامتـة...

الجمعة، 29 يناير 2016

أصائلُ باريـس,

أمّـا وقد باتت أصائـلُ باريـس شائهـة، تائهـة، حبيسـة جنـونٍ من ثمالـة ربيعٍ مضى، ألفيتُ فيَ شيئًا كالحيرة، في لساني تلعثمَ طفلٍ وقف أمام أمّـه وقد أتى حماقـة، أفزعني مرأى يدي وهي ترتعِش، ترقُص كما ذلك الشبرِ من جزْرةِ الأضحية، أنظـرُ من حولـي فإذا النّاسُ إلى الخلفِ تسير، تبتسِم باكية، إلى الأرضِ تنظر أو إلى السمـاء، تنزلِقُ المراكبُ على النّهـر فترسمُ خلفها جروحًـا لا تلتئـم، أنظـرُ السمـاء فأرى الزرقة تنتهـي بحمرة حبيبات الرّمـان، أو تبدأ، أي نعم، أبتئـس إذ أعجـزُ، وقد غابت بسمةُ السماء، عن تقديرِ الوقتُ أهو أصيلٌ ممّا خبرتُ أم غدوةٌ، أهمّ بأن أكتُب فتأبى اليدُ إلاّ أن ترتعِش العين إلاّ أن تزوغ، أكتُب، أهمس لنفسي، أرغبُ في أن أكتب، أبقى لزمنٍ كالدّهر لا أعرف أبـ"كنتُ" أبدأ أم بـ"سـوف"...مسـاء الخيـر...

الاثنين، 28 فبراير 2011

أخنوخن


··· واهمٌ إن كنتَ تتصوّر أن حبال الحلفاء المجدولة التي نعقل بها النوق تفوقُ اللثام اللميس - كالذي يلفّ رقبتيَ اللحظة - قسوة، مثلما واهمٌ ذاك الذي تستلبه نعومة الرمال فيرتمي عليها متأفّفًا الصخورَ الرمادية الصلدة· أسمعُ أصواتًا وأرى صورًا، مَن هذه التي تتكلّم وسط الجعجعات واللقلقات والهمهمات والمواويل؟ ما لهذه الألوان تتشاطح مثل سرابٍ غاو؟ أمّا الصوتُ فقد عرفتُه، لِوالدتي ''أخنوخن! لا تكن شريرًا، لا تقطع أغصان الطلحة وهي غضّة، لا تجتثّ العشبة من جذورها يا أخنوخن، إيّاك ثمّ إيّاك واصطياد أنثى الودّان الحبلى، أخنوخن يكفيك تأمّلاً في الصور التي تركها لنا الأسلاف فلا تشوّه تيفيناغ، حسبك هذا لتكون خيّرًا يا ولدي، يكفيك هذا حتى تكسبّ ودّ إخوتك بنو الجنّ''· أمّا الصور التي أرى فالضباب يلفّها، تبدو ألوانها وضّاءة متزاحمة، لا تقُل يا أخنوخن إنّ سخرك إيبراضن اختار هذه الساعة ليرسم متاهته، سأضحك طويلاً بعد موتي إن حقّ هذا· 
··· أشعر باللثام يخنقني، الأصوات بدأت تخفت والألوان بهتت فلم يبقَ منها غير سواد وبعض بياض، هذا هو الموت إذًا، لكن ما هذه النار التي يصطلي بها بطني؟ هل الروح مكمنها البطن؟ أحدّث آنهي بهذا؟ قد يكون، أوليس البطن والشبع هما سبب ما إلتُ إليه، ألستُ من بخث عن اللهو بعد شبَع فأطاح بطلحة صنع منها فخًّا، وعند انتهاء التلهية المشؤومة اكتشف أنّه انضمّ إلى معشر القتلة، ما أشقاك يا أخنوخن! نعم أنا أخنوخن إبن الطاسيلي قتلتُها بيدي هاتين اللتين تحاولان الآن عبثًا فكاك عنقي من اللثام، مذ وعيتُ اللثام وهو يدرأ قرّ الشتّاء وحرّ الصيف عن رأسي، وهاهو اليوم يجهد لاقتلاع نفس الرأس من جذعه، أنا أخنوخن الذي سقط في أوّل امتحان، كلاّ لا تظنّ أن موتك كفيل بأن يكفّر عما جنيته، ما أشقاك يا أخنوخن!
··· لم يعلق من والدي سوى شذرات لا يسعني معها أن أكوّن صورة كاملة عنه، أمّي كانت كل شيء، لا غرو في أنّني إلى السابعة من سنيّ عمري وهي تلقمني ثدييها كلّما عدتُ مساء من رعي الجديان، أما صباحًا، فكان يحلو لي مراقبتها وهي تمخض اللبن، فتجدها تنخرط في نوبة وجد لا علم لي أين تذهب بها، قد تمتدّ نوبتها إلى القيلولة، لم أسألها يومًا، لا أعلم لما، ما أشقاكَ يا أخنوخن! سمعتها في ذلك الصباح من خفيّ بين صخور الطاسيلي، وها أنذا أهتف بها لنفسي: ما أشقاك يا أخنوخن!، لقد تحوّلت النار المستعرة إلى زمهرير يجوس أمعائي، الآن أدركتُ لِما شعرتُ بالقلق وأنا أتلمسُ يد والدتي الباردة وهي مضطجعة عند فوهة الكهف، يومهَا أفقتُ على مشهد لا عهد لي به، لم أجدها كدأبها تُراقص الشكوة هائمة في الوجد، لمحتُ قبس الشمس يكاد ينفلتُ من خلف شَعَف الجبال، لم أعمد إلى إيقاظها، تذكّرتُ حينها ما كانت تردّده أنّه لو طلعَت شمسُ الطاسيلي على امرأة نائمة فذاك نذير شؤم ما بعدهُ شؤم، ابْتَسَمتُ، انجلى عليّ الآن انبهام تلك الإبتسامة، ساعتها كنتُ أخنوخن الحقيقيّ، أخنوخن الشرّير من ابتسم وإلاّ فما مردّ الغبطة التي شعرتُ بها وأنا أرتقبُ تلعثم لسانها أمامي وهي تعلم بأني شهدتُ مباغتة القرص الأصفر لها، خاب ظنّي لدى عودتي من الوادي بآنية الحليب في يمناي وربما حَسُن، وجدتها لا تزال نائمة، وتمّت كذلك· استحالت الغبطة إلى قلق، حرارة الشمس التي ألقت بأشعتها تحوّلت إلى برودة استشعرتها في يدها وأنا أحاول إيقاظها، عندما نظرتُ إلى وجهها لمحتُ عينها اليمنى التي كانت تدمع كلّما أتت على ذكر الصحراء، القبيلة الطيّبة الجنّ، الأشجار والأعشاب التي تبكي وتتألم وتفرح مثلنا، لمحتُ العين اليمنى نِصف مفتوحة، ينعكس على سوادها النور فتحدّث بتعبير غامض···
··· اللثام الأسود لا يزال يُحكم على رقبتي، صِرتُ أشعرُ بتعرّق في كامل جسدي، جسدي نصفه حارّ ونصفه بارد، هو الموتُ إذًا، عندما كنتُ صغيرًا كان يستهويني العرق الذي يتصبّب من كامل جسدي وأنا ألاحقُ شقاوة الجديان بين الأودية والصخور والقمم، أنتشي كلما استلقيتُ تحت أشجار الطلح، فيتحوّل ذلك العرق الذي يبلّل جلبابي إلى برودةٍ تجعلني أهزء من سياط الشمس اللافحة، مرّةً غفوتُ وأنا أنتشي بالبرودة التي عمّت جسدي، عندما استفقتُ وجدتني بين قبيلة تجار بهيّي الطلعة، أكرموني بالتمر وخبز الشعير، قضمتُ الخبز ودسستُ حبّات التمر في جيبي، لما أريتها أُمّي ابتسمت، ندّت عنها ضحكة جميلة وهي تسمع حكايتي مع التجّار، بعد وقت طويل من ذلك علمتُ لما همّت بالكلام بعد أن سمعت حكايتي ثمّ وأدت كلماتها، والحقّ أنّها أرجأته إلى أن صرت يافعًا، أرسلتني يوما بالجمال إلى المراعي، في أوّل يوم عقلتُ الجمال وتركتُ الثني طليقًا ناسيًا أو متناسيًا ما سمعته من أن الجمال المقيّدة تسير أضعاف ما تسيره الطليقة، فهي في صراعها للتخلّص من القيد لا تلوي على شيء، لن توقفها الجنان الغنّاء ولا الأراضي المفروشة بالنجيل، لن تُغريها رقرقة المياه، لا همّ لها سوى القيد الذي تسعى للتخلّص منه بالسير والتقدّم، أفقٌ يعقبهُ أفق وخفٌّ تقتفي أثر الأخرى، وإن حضر الثني الطليق فهو كفيل بأن يفعل بها ما يفعله سخرك إيبراضن بالصغار، سيضاعف إحساسها بالقيد وهو يتقافز أمامها، غاب عنّي ما يحذّر منه حكماء الرعاة، ثنّيتُ الغلط عندما فكّرتُ أن الجمال لا يسعُها الإبتعاد بالقيد فاستثقلتُ قربة الماء، مشيتُ يومًا فيومين ووجدتني في آخر النهار أترنّح ظمأً، قالت والدتي أنّ الصحراوي إن لم يمت بأحد ثلاثة: الظمأ، أو السيول أو البغتة فسوف يبلغ من العمر عتيًّا، كدتُ أقضي بأول الأسباب لولا قبيلة كريمة وجدت نفسي بعد أن زايلتني الغيبوبة محاطًا بعنايتها، ارتويتُ عندها بماء لم يسبق لي تذوق عذوبته، ازدردتُ طعامًا ما كنتُ أتصوّر وجودًا لمثله، رفعتُ رأسي فهي جمالي باركة في سكينة فيما يلي الخيام، وعند إحساسي بالعافية هممتُ بالرحيل، سار معي شيخ منهم أعتقد أنه الزعيم، ودّعني مُصافحًا وقال ناصحًا ''مِن آي نُبل الصحراوي ألا يلجأ إلى قيد إبلِه''، عند عودتي إلى البيت أعدتُ على والدتي ما حدث، تكلَّمَت هذه المرّة ولم تُبطن كما حدث من قبل، قالت: لقد غدوت رجلا يا أخنوخن، وثمّة ما لا بدّ لك من معرفته، سكتت فترة بدت لي طويلة حتّى كدتُ أستحثّها أن تُكمل لولا أنها سبقتني: هذه الأرض يا ولدي، هذه الطاسيلي التي نعيش عليها كانت قطعة من السماء، من فردوس السماء، سكنها قبلنا الجنّ، وهم أهل الصحراء الحقيقيون، استجار بهم أسلافنا من الجوع فأجاروهم، على أن يقبل بنو الإنس شرطهم، أتعلم ما كانهُ الشرط يا أخنوخن؟ إنّه نفس ما أنصحك به، لا تبتروا فروع شجرة لم تزل خضراء، لا تجتثّوا عشبة من جذورها، لا تذبحوا ضبًّا، ولا تفتكوا بأنثى ودّان وهي نتوج، عاش بعدها أجدادنا بين ظهراني الجنّ في خير ينعمون، حتى جاء العام الذي هبّ فيه القبلي برماله، فجفّت الينابيع، وحلّ الجوع بديلاً للشبع، إبتزّ الظمأ مكان الرُوُيّ، وصار الضيق نِثارَ محوٍ للسِعة، فانبرى الإنسان للأغصان يقطعها، إجتثّ الأعشاب وأكل جذورها، ذبح الضبّ واصطاد أنثى الودّان وهي حبلى، وختمها بأن كمنَ إنسيّ لجنيّ فقتله بسبب سباق حول عذراء كان لهما، عندها يا أخنوخن انسحب أهل الصحراء الحقيقيون إلى الخفاء وتركونا في صحرائهم هائمين، لا تنسَ يا ولدي أن الجنّ إخوتك في الدمّ، وهم أخيار ونحن أول من أبدى الشرّ··· هم من أنقذ حياتك بالأمس وهم من أعطاك التمر وخبز الشعير مِن سنين···
··· ما هذا الذي أحسّ؟ شيءٌ أشبه ببيضة نعام تصعد في جوفي تكاد تبلغ صدري، هو الموتُ إذًا···
يوم وفاتها زارني شيوخ يرتدون زيّ التجار، علمت أنّهم من الجنّ، سهر معي الشيوخ ثلاثًا وطهت نسوتهم حساء زكي الرائحة لم ينجحن في سعيهن الحثيث بأن أتذوّقه، في ثالث يوم تركتني القبيلة الطيّبة واتّجهوا غربًا، إلتقوا بالرعاة فأخبروهم بالوفاة ليتقاطر بعدها الإنس، فوجدوا أن الواجب سبقتهم إليه قبيلة أنبل منهم وأكرم، في الأيام التي تلت عدوتُ بين الوديان كمجنون ينوح ويرغي فسمعتُ الجنيّات ينحن معي، الدمعتان اللتان أحسّهما تنحدران من مقلتيّ الآن أصدق دمعتين لي في هذا الوجود، لم أرَ منهم غير الخير، أما أنا فلم أكُن إلاّ محاكٍ لأسلافي الذين أبدوا الشر لهؤلاء الأخيار، عمّ الطاسيلي هذا العام خير لم يشهد شيّابنا مثيلا له، فاضت المطامير سمنًا وتمرًا، وامتلأت بطون أبناء الصحراء لحمًا وحليبًا، قصدتُ يومًا وادي أميهرو، قادني شيطان الشبع إلى التسلية فأطحت بطلحة وصنعتُ فخًّا لا لشيء إلاّ لألهو، بعد ثلاثة أيام من ذلك سمعتُ التّهمة لأوّل مرّة وأنا أحتطبُ، لقد جاءني الصوت من جهة كهف شديد الظلمة، هتف ''ما أشقاك يا أخنوخن! لمَ قتلتها؟''، لم أفهم يومها مقصده، بل استغربته، فكثيرة هي المرات التي سمعت فيها نداءات وأصوات أهل الخفاء، لكن أن أُرمى بالقتل فهذا ما لم يحدث قطّ، مساءً آثرتُ النزول من الكهف والاضطجاع بالقرب من الجمال أسفل الوادي، لم أعِ كم من الوقت مضى عندما انتبهتُ للجلبة التي أحدثتها الجمال بفزعها، كانت باركة فهبّت واقفة مهّددة بالهرب، ما كنتُ قد استعبت الأمر جيّدا عندما رفسني على عجيزتي، وهوى عليّ بهراوة لا شفقة فيها، لم يتوقّف إلاّ بعد أن صرختُ طويلاً ''كفى! كفى!''، سمعتُ خشخشات الحصى والرمل تحت قدميه وهو ينسحب، لقد كانت ضرباته موجعة ويداه شرستان، عندما بركت الجمال ثانية وعادت تجترّ من جديد تأكّدتُ أن الزائر الثقيل قد ابتعد، حضرتني ليلتها ما كانت تقوله أمّي من أن فزع الجِمال بلا سبب هو آية على إقبال أهل الخفاء، اضطجعت على ظهري وطفقتُ أتحسّس مواقع الوجع، وفي غفوة بدت لي كومضة البروق التي تسبق سيول الطاسيلي تمثّلت بوضوح صورتي وأنا أصنع الشَرَك، لم أنتظر طلوع الفجر، سرّجتُ المهريّ وقصدتُ المكان الذي اختارني للتسلية منذ ثلاثة أيام، وصلتُ والشمسُ في أوّج جبروتها، لحن السكون السرمديّ يرقص على إيقاعه سرابٌ يُلاعب شَعَف الروابي والتلال، لمّا وقفتُ أعلى الحفرة اقشعرّ بدني، لقد طالعتني بخوائها، سقط الودان في الشرك وجرجره معه، سرتُ يقودُني الوادي في اتّجاه الجبل، فلم يغب عنّي من أن وجهة الودّان أبدًا إلى القمم، عثرتُ في مسيري على قطرات دم، بضعُ بعرات هرستُها بين أصابعي فحدستُ من تيبّسها أنّها تعود إلى ثلاثة أيام، الودّان سقط في الشرك في الليلة التي تلت نصبه، حينما اقتربت من القمّة صادفتني صخور ملساء رقمها الأسلاف بتيفيناغ، تُهتُ مع الخطوط أتأمّلها حتّى أفزعني نعيق غراب يحوم، رفعتُ رأسي فإذا به المشهد الذي جعلني ألطم وجهي صارخًا ''ما أشقاك يا أخنوخن! لمَ قتلتها''، استطاع أن يجرجر الشرك إلى القمة، علق بين صخرتين فهوى الودان، ما أشقاك بفعلتك يا أخنوخن، وقف طائر جارح على الحيوان الذي بقي معلّقا يتأرجح في الهواء، بقر بطنه فمشيمته ف··· ما أشقاك يا أخنوخن، من بين الدم الممزوج بالمخاط أطلّ رأسٌ صغير، لقد كانت حبلى، ما أشقاك يا أخنوخن··· شعرتُ بالغثيان وأنا أنزل من القمة عدوًا، تقيّأت بصوت أرجعت صداه القمم البعيدة، أكانت تبكي تلك القمم أم يا تراها كانت تقول بلغتها ''ما أشقاك يا أخنوخن! لمَ قتلتها''؟···
··· ها هي إحدى العَبَرتين تتسرّب إلى فاهي وها هي ملوحتها تلمسُ طرف لساني، الشيء الذي هو في حجم بيضة النعام أسفل صدري في مكانه لم يزل، اللثام لم تثبط عزيمته بل كأنني أسمع تكتكات غضروفٍ يتفتّت في عنقي، ليلتها عرفتُ مقصد الهاتف وتأكّدت من أنّني لم أُحسن الإختيار، آثرتُ طريق الشرّ، يومها قرأتُ في عين الودّان اليمنى ما قالته عين والدتي نصف المفتوحة، وهي تعكس أشعة الشمس عند فوهة الكهف، تكرّرت زيارات الجلاد، كان قاسي القلب، يضرب بشراسة غير أنّه كان أرحم منّي، كان في كلّ مرّة يتجنّب رأسي والمواطن المُميتة، فما أرحمهُ من جلاّد وما أشقاك يا أخنوخن!···
··· تكرّرت زيارات الجلاّد حتى اعتدتُها، أصبحتُ ذليلاً مثل حمار حرن ولم يقم فأراد صاحبه إذلاله وفي اعتقاده أنّ التي بالحمار عزّةُ نفس، حدث لي ما حدث للحمار ذات ليلة فحاولتُ الفرار من إحساسي بالخسّة، عدوتُ وهو خلفي بهراوته، وصلتُ إلى أدبني، صادف أن قادتني قدماي إلى القبر الذي سكنته والدتي منذ شهور، توقف الجلاد عن ملاحقتي فعلمتُ مكانتها عندهم حتّى وهي تحت التراب، وجدتُ القبر ملاذًا فغدوت أتوسّد حجارته، لكن الملاذ عاد فتصور لي سجنا، فأين أنا من غدوّي ورواحي في أطراف الصحراء، أضحيت مستجيرًا بكومة من التراب والحجارة، ما أشقاك يا أخنوخن!، عزمتُ التخلّص من السجن فوجدتني ليلةً أفتح القبر لأحمل جمجمتها، هالني ما آلت إليه، لم يبق ما يدلّ عنها غير خصلة شيباء بقيت عالقة، حملتُ الجمجمة في جراب وعدتُ إلى الصحراء أهيم، لم يقربني الجنّي طيلة المدّة التي كانت الجمجمة معي، لكن للقدر دوما ما يخبّئه، داهمني السيل في إحدى الليالي فجرّني ومتاعي، ليلتها كدتُ أقضي لولا أن استعنتُ بطلحة تعلّقتُ بها، سيل الطاسلي مارد، لا يضيره إن كنت إنسيَّا أو قشّة، شجرة طلح أو بعرة، كلها سواء وكلّها لعبة لألسنته، ما أشقاك يا أخنوخن! زايل الوادي السيلُ بأسرع مما حلّ، بحثتُ عن جمجمتها فلم أعثر سوى على جزء من السرج وقطعة الوبر التي أوهمتُ نفسي بأن تعبير الفجيعة سيختفي إن أخفيتُ بها غور العين اليُمنى، ما أشقاك يا أخنوخن! في تلك الليلة زارني جلاد الليل، لم يصطحب معه هراوته بل جاء بما هو أقسى، قال ''ما أشقاك يا أخنوخن، هل نسيتَ أنها كانت تزورك بعد أن ماتت كل ليلة لتغنّي لك في الكهف، لكنّك عندما طلبت منها اللبن كان عليها أن تتحوّل إلى أمّ، تحوّلت إلى أنثى ودّان حبلى فاصطدتها، ما أشقاك يا أخنوخنئ! هي والدتي أيضًا يا أخي، فلمَ قتلتها؟'' انسحب وراح يردّد بصوت شهيق ''ما أشقاك يا أخنوخن!'' عدوتُ مثلما لم أعدُ لأجد نفسي في قمّة الجبل، رمتُ الفَناء فهويتُ إلى الوادي السحيق، لكن طرف اللثام علق بنتوء الصخرة المرقومة بتيفيناغ فبقيتُ معلّقًا، القدَر رأى أن يأتيني الموتُ -كضحيّتي- لا أن أذهب إليه··· بيضة النعام صعدت إلى الحلق وأحكمت إغلاق ما لم يقدر اللثام على سدّه من منافذ··· هو الفناء الذي أستحقّ إذًا··· فما أشقاك يا أخنوخن!
معاني الكلمات التي وردت بلغة الطوارق
تيفيناغ: الكتابات الموجودة على صخور الطاسيلي·
آنهي: كتاب مقدّس بالنسبة للطوارق يحتوي على حكم الأوّلين·
أدبني: قبور الأسلاف·
سخرك إبراضن: طائر زاهي الألوان يقال إنه يستدرج الأطفال لأن يتبعوه ليُتيههم في الصحراء·

الأحد، 20 فبراير 2011

أما آن لك أن تترجّل؟... الفراعنة اليوم روحُ موسى، ولروحٍك هذه الإنحناءة يا بوعزيزي


... إنه صباحٌ من صباحات يناير التي تحملك على التلفّع بالخشن من الثياب، سِرتُ يومها في واد غير ذي زرع، ألفيتُه كدأبه معتليًا صخرته الرمادية، ما إن لمحتُه حتّى قهقهتُ فتضاحكت الكهوفُ تُجاريني، مزَجَت نظرتُه التي حدجني بها القليل من التساؤل بالكثير من البلاهة، لم يضحك مثلما كان يفعل دومًا، ''انقلبت الأدوار اليوم'' حدّثتُ نفسي.... 
- هل أنتَ مصرّ؟... سألتُه
- وهل أتيتَ بعد كل هذه الأعوام لتركسني؟.... ردّ وابتسامته إلى السخرية أقرب.
أقعيتُ في ظلّ الصخرة فبدا لي أعلاها على غير عهدي به، رحتُ أتأمله علّ ما تبدّل فيه ينجلي، ولما طال بي الحالُ سألني ضجِرًا ''ما بك اليوم؟... أنت تُخفي شيئًا؟... أتمنّى ألاّ تكون قدماك قد نسيتَا موضعهما''، لم أُلقِ بالاً لكلامه وأقمتُ أسبرُ تقاسيم وجهه وشعور يلفّني بأنّه ليس نفس الوجهَ الذي أراه كلّ مرة، كانت شفتاي تبتسمان بظفر على وقع صوت يقول بداخلي ''أتى من يُنزلك من عليائك يا ابن....''.
- إن لم يكن لديك ما تقول فذهابك أفضل، لدي ما أعمله...
- إنزل وجالسني هنا حتى أقول...
- ماذا؟... هل جُننت (قاطعني وبنبرة غاضبة) أنت؟ أنت تُحاذيني؟ وربّما لمس كتفي كتفَك؟... أنسيتَ من تكون ومن أنا؟ حقًّا إنّك لَ....
- الحقيقة أنّك تضطرّني -كلما نظرتُ إليك- على ليّ عنقي الذي أصبح يؤلمني من فرط إبقائه معوّجًا...
قهقه طويلا قبل أن يردّ: إسمعني جيّدًا، لستُ أنا من يرتاع لألمك، إبق كما أنت، أنت هنا وأنا هناك (وهو يُشير بسبابته الأرض ثمّ إلى السماء)، وربّما أتيت تقول لي يومًا ادعني أصعد أعلى الصخرة معك، أرجوك!!'' قال هذه العبارة مُتصنِّعًا صوتًا ذليلاً.
- لكن الحال اليوم غيره الذي كان... وفرقعتُ في وجههِ قهقهةً أردتُ لها أن تكون أطول من قهقهته، عندها مطّ بوزه وزوى ما بين حاجبيه متفكّرًا، أما أنا فجعلت أنكتُ الأرض بأحد العيدان التي أتى بهاالوادي موسم فيضانه، وقبل أن أرمي به غير بعيد كنتُ قد نهضتُ فصار رأسي في مستوى رُكبتيْه، وعدتُ أرنو إليه بسخرية أربكته، قبل أن أسأله ''أما آن لك أن تترجّل؟..''. لم يحر جوابًا لأن مشروع كلمة بدت كهمهمة على شفتيْه لم تلبث أن تلاشت باشتداد ارتباكه الذي تحوّل ارتعادًا حتّى خيل إليّ أنّه سيهوي من أعلى الصخرة، ضحكتُ قبل أن أُكمل: أجَل، إني أعي ما أقول، أما آن لك آن تترجّل من عليائك؟... هذا زمن طويل مذ أهنتمونا أنت وأمثالك واستكبرتم، سلفكم ردّ يوم طُلب منه السجود بأنّه من نار ونحن من طين، ها هو واحد منّا - وسحبتُ صورة جسدٍ يشتعل -... قاطعني وهو يُحدّق في الصورة بعينيْن حسِبتهما ستتحرّران من محجريهما ''أبدًا، أبدًا، هذا الذي أرى ليس بشرًا، لا لا تُعِد أمامي مثل هذا الكلام''.
- كلاّ يا عزيزي هو بشر، شُعلة النار التي تراها بشر مثليّ - صمتُّ قليلاً ثم أردفتُ بعد أريته صورة نفس الشاب مُبتسمًا - وها هي صورته، أليس هذا إنسان مثلي، مرّت السنون والأعوام والقرون عن تلك القولة التي اتخذتَها وأمثالك شعارًا ''أنا خلقتني من نار وهو خلقته من طين'' واليوم هانحن نُريكم أننا نستطيع حين نشاء أن نكون نارًا، أما آن لك أن تترجّل؟...
وقبل أن أُتمّ كلامي كان قد وثب من أعلى الصخرة وراح يعدو في مجرى الوادي وصوتٌ غريب يقتفي أثرَه لم أتبيّنه أقهقهة كان أم نحيب...