يتبارى اليوم مع الغد، ويُسابقُ الأمسُ ما بعدَه وما قبلَه، إن هـيَ إلاّ سلسلة تناكف الحلقةُ الحلقة وتتململ هذه تطلب من الأخرى فكاكًا، تتلوّن بما نختارُه لها من أصباغ، أو ربّما، من يدري، تجرجرنـا هي، دون أن نعي، لنلوّنها بما اختارته هي، ومع ذلك نقول، يتلبّسنا غرور الآلهة، الساعة الفلانية مباركة والعلاّنية عليها اللعنة، وما كان لنا لنقف موقف الحكم لولا أنّ الزمنَ لا لسان لـه...
الخميس، 1 سبتمبر 2016
الخميس، 30 يونيو 2016
قابض الحافلة
حتّـى وإن كنتُ أكتبُ، الآن، من داخِلِ بيتٍ رُوِّض هواؤُه، وصار، برغمِ أنفِ الطبيعة، ونسائـم ينايـر صِنـويْـن، إلاّ أنّ يمناي، دون أن يكونَ لي في الأمر رأيًا ولا مشـورة، لم تجد بُدًّا من فكّ الزرّ الثاني لقميصي، جذعي مال إلى الخلف وكأنّ باليد لم تكتفِ بفكّ الزرّ فزادت على ذلك أن دفعت بجسدي يميل على مسند الكرسيّ، ملأتُ رئتيّ بالنسائم المنعِشة قبل أن يتمطّط بوزي مُستلِفًا شكل خطم، ليزفر، في الأخير، أنفاسًـا صفّرت مرّة وربّما مرتيْن، صببتُ ملامِحي في قالـبِ الضجَـر، وخيّل لي، في لحظة مـا، أن جبيني جعل يتندّى، فالنسائمُ التي أوردها ليست أكثر من انتشـالٍ لصورٍ كانت بسبيلِها إلى قاع الذاكرة، وفيما أنا أنتشِل ليس لي إلاّ أن أعود إلى وقفتي، اليوم، بالمحطّة تُكرِمني الشمس ما شاء لها الكرم وتلفحني، مثلَ كيرٍ، عوادِمُ الحافلات بما زفرتهُ المحرّكـات...
قفزتُ إلى الحافلة مع الأوائل فحظيت بمكان قرب النافذة، وحظيت بحرارة كان جوّ الخارج قياسًا بها أرحم، انتظرتُ مع المنتظرين، جالسوهم وواقفوهم، المتململون منهم وأولئك الذين خمدوا في استسلام للحرّ وهزيمة، انتظرنا إلى أن رصّ القابض الصائح حافلته بالبشر، نظرتُ إليه بعين معجَبة وأخرى متعجّبة، هذا الذي أغفلـه المعقّبون على نظرية التطوّر، ليس لأنّه تطعّم ضدّ الحرّ والقرّ وحسب، بل خلقَ له فوق ذلك، وربّما طوّر، فراسةً وبديهة وفطنة وسعة بال، لم يضِق بالنظرات المستنكَرة لمن أنضجهم طول الإنتظار، ولا قابَل صرخات البعض المستفزّة بأكثر من ابتسامة و"ضرك نروحوا يا خاوتي.. تحبّوا عليّ ؟"، أمّا وهو يسُلّ نفسَه سلاًّ من بين الأجساد فقد بدا أنّه تخفّف من عظامِه وانتهى إلى أن صار برخاوةِ وملاسة أفعوان، كان يجمع النقود، يرمي الوجه بنظرةٍ خاطفة، يمسِك النقود فيرصّها، إن كانت من ورق، في جيب سرواله الخلفيّ، على نحو ما رصّ به البشر في حافلته من قبل، ويلقمها في علبته السوداء إن كانت النقود قطعًا، يردّ ما يردّه من فكّة فيما يكون فمه يلهجُ بالشكر والدعوة بالتوفيق والصحّة والهناء، لم تُخطئ دعواته أحدًا وحظي أولئك الذين رموه بنظراتِ العداء والصرخات والغمغمات السابّة بشكر أكثر ودعوات أبلغ، ولم يتركهم إلاّ وهم بين مبتسمٍ وضاحك يردّ بالشكر على الشكر وبالدعوة على الدعوة وبالثناء على الإبتسامة، سيخيّل لك، كما خُيّل لي، أن بينهم وبين ما كانوا فيه، منذ لحظات، من سباب وامتعاض وتذمّر جملةٌ اعتراضية امتلك القابضُ ما محاها به، فابيّض السواد وغمُقت الهوّة وصارت حالهم، بعد أن كانت كلُاًّ، إلى جزءين وضفّتين دونَ الوصلُ بينهما خرطُ القتاد...
في أوبتي انصرفتُ بتفكيري وسمعي عن سائق التاكسي، مابالي والشرطيّ الذي سجّل عليه مخالفةً من خمس سنين ؟...وفي ماذا تعنيني الحرارةُ وقد أينعتُ بها ونضجت وأكاد أحترِق ؟...وأيّ جدوى تلك التي سأنالها من حديث عن الإزدحام ؟...كنتُ أتمنّـى أن يحدّثنـي عن أُنـاس كالقابض الذي صادفتـه، كنتُ في حاجـة إلى حديثٍ يصفُ البشر عسـاني أكتشِـف جديدًا غاب عن الداروينييـن...
السبت، 28 مايو 2016
عمّي الحـاج
الخميس، 19 مايو 2016
جولـةٌ مسائيّـة
في الشارِع، شارع الـ20 متر بالبليدة، لا تكادُ ترى سوى الأثرياء وسيّاراتهم الألمانيـة، احتكروه، أظنّنـي على شيء من الضيم بهذه الـ"احتكروه"، فلقد لفظ الشارعُ الفقراء بأن عرَض باعته ما يطلبُه الأثرياء دون سواهم، ولمّا كنتُني أقربُ إلى الفقراء منهم إلى الفريق الثاني وجدتُنـي أمرّ عليه مرورًا سريعًـا، أنظـرُ إلى واجهات بلون اللؤلؤ، ملابسٌ لا أكاد أنظرُ لليها إذا جعلني الرقم المعلّق بها أعمـى أو شِبهَـه، وساعـة بلغـتُ الأزقّـة القديمـة، بلاصة النصارى وبلاصة العرب، عدتُ إلى عفويتي وعادت إليّ، أحمـلُ هذا السروال وأفاكِـه هذا البائـع حول نوعيّـة ذاك الحذاء، أماحك وأبالغ في المماحكـة، أضحك بصخب وأتكلّـمُ دون أن أحسبَ حسابًـا....هـذا هو مكانـي، قلتُ في نفسي، وأنـا أقفـلُ عائدًا إلى البيت...
الخميس، 25 فبراير 2016
أصائلُ باريـس
من غرفتي، قبل ذلك، وقد انتصف الليل، تناوبت على أذنيّ أصواتٌ قادمة من الشارع شبه المقفر الصامت، صوتُ سكّيرٍ يسبّ صديقه فيما الصديقُ يقهقه، خطوات امرأة بدت، من إيقاع عقبيْ حذائها على الرصيف، أنّها على عجلة أو خائفة أو، ربّما، قادها إلى ذلك، دون أن تدري، قلبٌ هفا وجسدٌ ظمأ واشتاق، سمعتُ، أيضًا، أصواتَ سيارات تباعد وقت مرور إحداها عن الأخرى، بدا هديرُ الواحدة منها، وهي تقترِب ثمّ وهي تبتعد، أشبَه بما نسمعه لحظةَ نُخرطِم شفاهَنا بِنيّة التصفير، وقد نسينا ترطيبها، فيخرجُ الهواءُ دون أن ندرِك ما انتويناه، أمّا في المسافة بين السيّارة وهي تقترب وبينها وهي تبتعِد، في تلك القطعة التي أعجزُ من أن أحدّدها قياسًا، يُداخِلُ ذلك الصفير الصامت صوتُ غوصِ العجلات في ماء المطر، تمامًا مثلما تخرُحُ مع صفيرنا الصامت، إذا امتدّ وطال، أسلاكٌ وندفٌ من البصاق، "نعم نعم" قلتُ في نفسي "حتّى الأصوات يمكنها أن تتبلّل"، يطالُ الأصواتَ البلل وتجرح الأصواتُ القليلة الصمتَ وإلاّ ما أمكننا أن نعرِف الصمتَ ولا أن ندرِكَ عمقَه، وبسبب ذلك، كما أعتقِد، تصنعُ آذانُنا ذلك الصرير الخياليّ في الأماكن مطبقة الصمت...
أغراني الصفير الصامت، الصوت المبلّل، شتائم السكّير وطقطقة المرأة المتلهّفة، بأن أرتديّ معطفى وأقتحم الشارع لا ألوي على شيء، بلغ الجوّ، خارجًا، من الدفء بأنّ بدت معه كلّ تلك التحصينات التي غلّفتُ بها جسدي ورقبتي مجّانيّة، بل وقد تسمو لأن تكون، في نظرِ أحد ممّن التقيتهم، ضربًا من الفوبيا، في الشارِع وعلى ضوء المصابيح تهادت قُطيرات مطرٍ رذاذيّ، ورسمَت حول كلّ مصباح هالةً ضبابيّة واسعة حفّتها هالةٌ أصغر بألوان قوس قزح، مررتُ في سيري الذي امتدّ لأكثر من ساعتيْن على شوارِع منها ما كان مضاءً ومنها الخلفيّة بعتمتها، تلوّنت نوافذ المنازل الساهرة بألوان الستائر أحمرها وورديّها وأزرقها، قطعتُ ساحات وميادين ظهر على تماثيلها الوحدة والحزن، لمعت على أوراق الشجر قطراتٌ ذات أشعة كأنها شموس أو قطعٌ من النجوم سقطت من السماء، التقيتُ بالسكارى وهم يعودون إلى منازلهم أو في طريقهم لأن يغيّروا الحانة وقد ملّوا المكان حيثُ كانوا يشربون، وفي مرّتين تفصل بينهما لحظات قلائل، في زُقاق مظلم، وقعت قدمي على كتلتيْن طريّتين أدركتُ أنهما براز كلاب، من حظّي أنّ براز الكلاب هنا، لطبيعة ما يأكلونه، لا رائحة كريهة له، مضيتُ بعينين تفتّشان عن بركة ماء، ولمّا تعذّر عليّ ذلك لذتُ بعودٍ عثرتُ عليه في وقفتي قبالة المتشرّد شبيه سمكة الباجو، وملتُ أسلتُ به ما بقي عالقًا بجوانب الحذاء من براز، وعندما انتهيت من تنظيف الحذاء كانت سمكة الباجو قد قضت على اثنين من كانيتات البيرة وأعادتهما إلى مكانيهما الأوّل وقد تقلّصتا وتشوّه قوامهما...
لدى عودتي، مررتُ مرّة أخرى بالأفعوان، أو ماكان له شكل أفعوان، فقد صار إلى أشلاء وتعدّدت الفُسح بين أجزاء جثّتِه، أمكنَ شللاً الدخول إلى الحانة المكتظّة وقد غادرها بعض من كان فيها، وربّما أضنى الإنتظار شِللًا فراحت تبحثُ لها عن حانة ثانية، سرتُ نحو ربع ساعة، ثمّ انعطفتُ إلى شارع، لم أعبره أثناء مجيئي، رغم توفّره على أعمدة إنارة، إلاّ أنّ أشجار الجمّيز جعلته ذا ظلمةٍ مرقّطة بما سمحت به الأوراق والأغصان من ضوء، كان، في الواقع، شارعًا فرعيًا قصيرًا يربط بين شارعين رئيسيين، من أحد جذوع الجمّيز الضخمة، وأنا أحاذيها، انطلق صوتٌ "اسسسسسسسسست" وفي نفس اللحظة تقريبًا، وانا أستدير مشدودًا إلى مصدر الصوت، التقط أنفي رائحة عطر نسويّ، كانت واقفة تلتصقُ بجذع الشجرة حتّى أنّك تحسبها امتدادًا له، ومثل أرضِ الشارع بدت، على لطخات الضوء المتسلّل من بين أغصان الشجر، بشرةٌ سوداء، لمعان، جزءٌ من تنّورة جلدية سأغمطها حقّها إن أنا وصفتها بالقِصر، تكلّم الشبح فيما أنا أواصلُ، صامتًا، تأمّله "أترغبُ في ممارسةِ بعض الحبّ ؟..." كان الصوتُ لا يختلِف في تهذّبِه ودبلوماسيتِه وأنثويتِه عن ما سبق وصادفته لدى موظّفات الإدارات وبائعات المتاجر، بدأت، مع الوقت واعتياد عيناي العتمة، ملامح هذه المومس تتضّح، زنجيّة طويلة القامة هيفاء، بعينين باسمتين ذات رموش صناعية، بصدرٍ ثلاثة أرباعه نهدان، ساقين لامعتان ربِلتان، وعلى ضوء شاشة هاتفي، وقد وجّهته إلى وجهِها، مثل زبون يكفل له القانون حقّ الحرص على الجودة، ظهر على خدّها ندبٌ، ضربة سكّين، تبدو الحادثة، من خلال النقاط حيثُ آثار الخياطة، ليست بعيدة العهد، أدهشني انصياعها، عدم تنازلها عن ابتسامتها، لم يبدُ عليها الإستياء لحظة وجّهتُ إليها ضوء هاتفي، وبعد أنِ اعتذرت لها بديبلوماسيّة كديبلوماسيتِها "لم تمضِ ساعة منذ كنتُ مع إحداهنّ، لو كنتُ أعلم بوجودك هنا ما قبلتُ بها، نلتقي" اتّسعت ابتسامتها وتمنّت لي، بصوت خرجت معه أنفاس زكيّة، بقيّة ليلة سعيدة، لم أكُن أدري أنّ ما سأمر به من أشجار تختفي خلف أغلبها أخريات، كلهنّ زنجيّات، صغيرات السنّ، تفوح منهنّ عطور جذّابة، يعرضن سلعتهنّ بأدب وبلسانٍ لا يختلِف عن لسان عليّة القوم، وكلهنّ تمنينّ لي وقتا ممتعا، وليلة هنيئة...
وأنا في منتصف طريق العودة انتبهتُ إلى أنّ السمّاء أمسكت رذاذاها، اختفت الهالات القزحيّة من حول المصابيح، ظلّ صمتُ الشوارِع على حالِه، جفّ الطريق فاختفت تلك القطعة الصوتية المبلّلة، وانتهى صوت السيارات إلى صفيرٍ صامت متّصل، تجاوزتُ متشرّدًا سكرانًا كان يتحدّث، بنبرةٍ متوعّدة، إلى كلبِه الذي أطرقَ ببصرِه وسكن، كأنّه قدّر ما اقترفه من خطأ واعترف، بالقربِ من أحدِ العمارات فعمت الجوّ رائحةُ شراب الزنجبيل، نظرتُ إلى أعلى، شقّة واحدة فقط مضاءة، لا أدري لمَ رسم لي خيالي صورةً لصاحب هذه الشقّة، عجوزٌ اجتاز الثمانين، جنديّ قديم في ثكنةٍ بنواحي بشّار، كان حلاّق الثكنة، تأتأة لسانه لم تشفع له في الإعفاء من الخدمة العسكريّة، عاد من الجزائر قبل الإستقلال بعامين، تزوّج بصديقته التي انتظرته، لدى عودتِه، في ميناء طولون، ومنذ عودتِه، أمكَن الزمن أن يُصرِفه عن كلّ ما صحِبه من الجزائر إلاّ عن شراب الزنجبيل...
تمدّدتُ على السرير بعد أن تخفّفتُ من معطفي، شعرتُ براحة لذيذة بدت لي أنّها ستفارِقني لو غيّرت ملابسي، نمتُ كذلك بحذائي وبسروال الجينر والقميص الصوفيّ، وآخر ما مرّ على خاطري قبل النوم أمنيـة...كوب زنجبيل...
الجمعة، 19 فبراير 2016
تِـ بـ غُ الـ نَّـ مـلـة
التقيتها فأبْكَرتُ، في ذلك العمر الذي لم يكُن يقزّزُنـا أن نرى في حواف العيون قذًى فستقيّ اللون، ولا يعيب الواحدُ منّا إن غزَى رأسَه صئبانٌ يشحبُ عليه سوادُ الشعر، عرفتها أيّامَ كانت لها رائحةُ اللوز ومذاقُ لحم الجديان، حافيًا ألفتني ومهجورةً لمحتها، ورُحنا، مذّاك، نكتُبُ نصّنـا، سِفرَنا بصفحاته السوداء وتلك التي كتِبت بياضًا، خاصمتُها مرّات لستُ أعرِفُ أظالمًا كنتُ أم دافعًا لظُلم، هجرتها وعدت، وفي كلّ عودة كانت حبيبتي كانت فرقعاتها كانت جموعُ الشهداء مؤمنوهم وشيوعيّوهم، كانت جمرتُهـا هي هي فصّ رمّان من أرضِ الجنّ، كانت بعطرِهـا وقد التصقَ بملابسي والأنفاس ورائحة العرَق...
وقفتي، أصيل يوم ديسمبري، 2006، شارِع العربي بن مهيدي، وهران، كانت قد مضت خمس سنوات من هجراني حبيبتي، تعلو باب إحدى الأكشاش لافتة، قرأتُهـا، تهجيّتها، عقدتُ ما بين حاجبيّ، لستُ أستطيعُ، الآن، تذكّر المشاهد التي عبرت ذهني لحظتها، لكنّها كانت حاضرة، بوعد، بعهد، بوعيد، باشتياق وحنين، اقتربتُ من اللافتة المستطيلة الصفراء يحوطها شريط أحمر، رفعتُ رأسي إليها وأنا أعتِب الكشك دخولاً، وفي عتبي، وأنا أخرج، كنتُ قد بدأتُ، وإيّاها، طقوس الحبّ، طقوس العشق، التفتّ إلى اللافتة مرّةً أخرى وتهجّيتُ "تِـ بـ غُ الـ نَّـ مـلـة"...نعم حبيبتي هكذا، تحملُ روحُها كلاّبتين...
أطبقتُ، ليلـةَ أمـس، السِّفـرَ...أطبقتُـه...وكفـى...
الاثنين، 15 فبراير 2016
أصائـلُ باريـس
من وقفتي في العربة، عربةُ الترام المكتظّة الزاحفة، نظرتُ الرؤوس فإذا بها تهتزّ كبنادلَ، على كرويّتها جميعها، تمايزَت خطوط استداراتها وتباينَت ألوانُ ما غلّفتها من شعورٍ ومن أوشحةٍ وقلانس، راحت الوجوه تتلوّن بحمرةٍ بهيجة، فيما كانت الأفواهُ تتلافى إلاّ ما يُضحِك من حديث، أو أنّ الآذان هي التي كانت تتواطأ إذ ردّت كلَّ حديثٍ، مهما كانَ عاديًّا، إلى مدعاة للإبتسام، ثُمّ إنّ تلك الوجوه، شأنُها في المآدِبِ والأعياد، وكأنّي بها انفصَلت عن ما كانت تكابِدُه الأجساد، في الأسفل، من زنق وتململ، فأحدًا ممّن صادفتُهم، من الوقوف مثلي، لم أرى ملامحه وقد تشوّهت وتشكّلت سيما الضّجَر...
توالت المحطّات، وفي كلّ منها نزل من نزل وصعد من صعد، وفي كلّ محطّةُ كنتُ، قبل أن يصعد الصاعدون، أغيّر مكان وقوفي إلى حيثُ يظهرَ لي أنّه المكانُ الأريَح، ولم أكُن أعلم، حتى ذلك الحين، أنّ ثلاثة من المقاعد كانت، على مقربةٍ منّي، شاغرة، هي أربعةُ مقاعد، أو بتعبير أدقّ مقعدان يتقابلان ومقعديْن، احتلّ إحداها متشرّدٌ لم يبالِ، ربّما لاعتياده الأمر، بامتناع الواقفين من التجّرؤ على مكاتفته أو الجلوس قبالَتَه، لم أتردّد ولو للحظة، وأنا ألمحُه تحوطُهُ الأماكن الثلاثة، أن أعزمَ على احتلال واحدٍ منها، وكان عليّ، قبل أن يصير عزمي نافذًا، أن أربت، في لطفٍ، على أكثر من كتِف، أبتسِم، على سبيل الشكر المسبق، لوجهين أو ثلاثة، أتمسّح بظهري، بتمهّل قصدتُه، على صدريْن سرت إليّ منهما حرارةُ ما نفرت فيهما من نهود، كان على أنفي أن يتشمّم، بلهفةِ نعمةٍ لا تدوم، ضروبًا ساحرةً من العطور، وضروبًا أخرى سطَعتني على كرهٍ منّي مخلّفةً، فيَ، شعورًا كالغيظ...
كنتُ على تأهّب لأن ترمقني الأعيُن بنظراتٍ أدناها متعجّبة لحظةَ جلستُ قبالة المتشرّد، لكن لا شيء من ذلك حدث، وكأن قدرَ من يقتعد المكان أن لا تُدرِكَـه الأبصار، مثلما لم يُلتفَت، قبلي، إلى المتشرّد الذي صار جارًا لي وزميلاً لي في اللعنة، من مكاني رحتُ أنظُرُ إليه، فوجدتُهُ شيخًـا في السبعينات من العمر، ملابسه السوداء لم يسعها إخفاء كمّ القذارة ممّا حملت، اعتمرَ قبّعةً سوداء من صوف لُفَّـت حوّافُها، كقصبة مجوّفة، إلى منابت الشعر، ما كان يفوحُ منه، وإن كانَ عطِنًا ذا حموضة، غيرَ انّه بلغني برائحةِ عصارة ثمرِ المشمش ولم يينع بعد، أمالَ جسدهُ إلى الخلف وأنامَ رأسَه على صدرِه وراح يشخر، شاربُه الرماديّ الذي أخفى، لكثاثتِه، فمه المزموم، كانت شعراتُه منتصِبة يتناغمُ فيها الأسودُ مع الأبيض، وعليها، على تلك الشعرات، عزفت أنفاسِ الشيخ، بين الشخرة والشخرة، لحنًـا ذا صفير، من جيبِ قميصه، تحت معطفٍ غير مزرّر، أطلّت علبة سجائر مارلبورو حمراء كعلبة سجائري، لم يسعني أن أرى عينيه وقد انسدلت عليها الجفون بغيرِ قليل من الإصرار المداني للعنف، كأنّ بجفونِه تلك تصرُخُ بالألم وبالرغبة في الانتفاء، وكأنّها الموطِن حيثُ يغيبُ جزء جبل الثلج، وكأنّي بالشيخِ لم يرضَ بهذه المرحلةِ السطحية من النوم فراحت عيناهُ تنوبان عنه في سؤال أرضِ أخرى للرقاد...أرضٌ بعيدة...بعيدة وقريبة...
بعد أن يكون الشيخ قد استيقظ، أكونُ أنا في مكانٍ آخر، غادرتُ عربة الترام وتركتُه في نومه وفي قدرتِـه ولعنتِه ألاّ يراه النّاس وإن اجتنبوه...لم يرني وربّما لن يراني مرّة أخرى...هُنـا، الآن، في هذه اللحظة، من حياتي ومن حياتِه، أكتُب فيما لا أعرف ما يجري له، أفكّر فيه ولا يفعل، هنـا أتوقّف، برضا وعجزٍ معًـا عن أن أضيف شيئًـا...
السبت، 13 فبراير 2016
أصائـلُ باريـس
ككلّ مسـاء، قطعتُ المائة متر التي تفصلُ، أو بالأحرى تربِط البيت بالمخبزة، وهي رصيفٌ قديم التبليط، قوالبه المستطيلة التي رصفتها، بمهارة، يدٌ فنّانـة انقسمت ألوانها بين القانيّ وما هو بلون النبيذ، وسأقرّ، لم تُسعِفني، إذّاك، معارفي، وأنا الطالب السابق شعبة الهندسة المدنية، في القطع بما، مِن اللونين، لهُ الأسبقية، لكنّ المرجّح، والطبيعة، لا أعرفُ لماذا، يحلو لها تدكينَ الأشياء، أنّ القوالِب الحجرية كانت، كلّها، في البدء، بوردوليّة الحُمـرة، ومع الزمن أعملَت الطبيعةُ الريشةَ والإزميل، على ما تشاء، من حجرٍ، وعفَت عن ما تشاء، بالطّبـع ثمّـةَ ما ستتفلسف به العلوم في هذا الموضوع، وسيكون من شأنِ رأسي، فيما أسمعُ تلك المعادلات الكيميائية وتلك العناصر يحمل أغلبها تسميات على أوزان الفعلون والتفعولين والتفعيلان، أن يُصابَ بالصداع، كاملِهِ ونصفيّه، وهي، لستُ آتي جديدًا، تفسيراتٌ صحيحة كلّ الصحّة، أمّا أن يكونَ اسم المفسِّرات العلوم الدقيقة فتلكَ هرطقة وسقط كلام، لا أذكُرُ عالمًا رأيتُـه يخوضُ في اكتشاف جديد إلاّ وومضت في تقاسيم وجهه، وفي إيماءاته، وفي نبرتِـه تردّدات واهتزازات وأطيافَ توشـي بعدم ثقتِـه فيما يخوضُ تلك الثقـة المطلقـة، كان الأَوْلى أن تقصر تسميةُ تلك العلوم بالعلوم وكفى، أمّا الدقّـة فلا معادٍلَ لها سوى الموات، الدقيقُ من الأشياء يستدعي بلوغ أطراف الجذور، يرسو في الضفاف، وهذا، للمفارقة، يُناقِضُ بسملـةَ علومٍ لا نهايات لها ولا ضفاف...أعتقِد أنّ العلوم لا يمكنها أن تكونَ بذلك العداء للأديان وإن ناكفت هذه تلك وقزّمت تلك هذه، فهي، أيّ العلوم، وإن أنكرت زمرة من العلميين، لا تخلو من إيمانٍ بماورائيّـات تُغري ببلوغ مراتعها، وفي اللُهـاثِ السُرمديّ إليها، بالضبط، تكمُـنُ منجزات الإنسانيّـة...
عند عتبةِ المخبزة زجاجيّة الواجهة انتهت مسيرة المائة متر، وقبل ذلك بخطوات، في لحظة بالغة القصر، سطعت شمسُ المغيب، ثمّ اختفت، تلألت، على نورِها رمّانيّ اللون، خضرةُ طحالِبٍ طابَ لها أن تزدهر في البقع غير المطروقة من الرصيف، وفي جذوع الشجر ومنابت الجدران، شعّ الفاتح منها حتّى تحسبُ أنّه بسبيلِه لأن يضيء، وظلّ الغامقُ على غموقه وإن بدا لي أنّه على شيء من اللين، أو ربّما الضُّعـف، أمام الضوء، كـان على استعداد، لو طال بالشمس المقام، أن يتنازَل، شيئًا فشيئًا، على حلكتِـه...
كنتُ، وأنا أبلغ عتبة المخبزة التي تلوّنت إطارات واجهتها بالأحمر، مملوءً بزهـوٍ وثقـةٍ تداني الخيلاء، فالحذاء الجديد الذي انتعلته كان لسوادِه، وأنا أسير على الرصيف، لمعان، ولجلدِهِ صوتٌ بين الأزيز والصرير، وللدفء الذي أشاعه في قدميّ لذّة، ثمّ إنّني، وأنا أطرقُ به تلك الحجارة الصلدة، القانيّ منها وما هو بلون النبيذ، تبيّنتُ الصوتَ فإذا به صوتان، أوّلهما ما بلغني من قدمي اليسرى، وكان حادًّا، على درجة من الصرامة، فيما بدا الآخرُ، طرقُ القدم اليمنى، كرجع صدى لليسرى، رخوًا، إن صحّ وصفُ الأصوات بالرخاوة، ممطّطًـا، كانت القدمُ اليسرى، رغمَ تماثُلِ فردتيْ الحذاء، تضربُ في الأرضِ بثقـة وعزم، وكانت هيَ القائدة ومايسترو المعزوفة، معزوفة الحذاء، إلاّ أنّ هذا التباين بين الطقطقتيْن هو ما جعلني، طوال الطريق إلى المخبزة، أستمتِع بقطعة من الموسيقى لم تكُن بذلك الجمال لو تساوت الطرقتان...
دفعتُ الباب فرنّت، فوق رأسي، أعوادٌ مربوطة إلى السطح بسلك لا يكادُ يرى لرفاعته، كانت في حجم أقلام الرصاص، أمّا ألوانها الزاهية الراقصة ورنينها، فيما كلّها ينطحُ الكلّ، فقد عزفَت، هي الأخرى، ورسمت ما فاق قدرات حذائي والطحالبِ وقوالب الرصيف الفنيّـة، وصنعت، فوق ذلك، بهجةً تنمّ بصلة غامضة إلى عوالم الطفولة، يعوزُني التخمين في الصور التي كانت ستوحي بها هذه الأعواد الرنّانة إلى العجوزين، زوج وزجته، اللذيْن تجاوزتهما في طريقي إلى هنا، وكان لهمَـا، قبل أن أفعل، اليدَ العليا على القدم اليسرى فإذا بها تخفّف من حدّة المعزوفة وتضبطُ إيقاع السير بحسب مشيتِهما ذات التوقّفات العديدة، انشغلتُ بهما للحظات، تلفّع العجوز بمعطفٍ صوفيّ أسود، اعتمر برنيطة بنيّة، فيما جرجرت زوجُه شبشبًا قطنيًا بلون الورد، غطّت رأسها بإيشارب رماديّ ولفّت أطرافه، زيادة في الإحتراز، بعنقها، رأيتها تتوقّف، فتوقّفتُ بدوري، استدارت بنظّارة طبيّة ثخينة الزجاج إلى زوجها كمن تتحرّى صدقَ ما قاله، أمّا هو فقد كان يردّ عليها من فوق كتفه، دون أن يوقِفَ خطواته الوئيدة، بابتسامةٍ ووجهٍ بالغ الطمأنينة، تلتحق به وتحدّثه، من جديد، بصوتٍ ضعيف لم يسعني تبيّن كلماته فيردّ عليها، تتوقّف ناظرةً النظرة عينها، يستمرّ هو في سيره ويطلّ عليها من فوق كتفه على نحوٍ صيّر الزوجةَ، في نظري، لا يعيبها، أمام ابتسامتِه تلك، لو تصابت كعذراء، أربعُ همسات بأربع توقّفات ناظرة بأربع ابتسامات وضيئة كانت علاقتي بالعجوزين قبل أن أجدَ في تحيّتهما أفضل طريقة لبقة لتجاوزهما، وأسِفتُ، من وقفتي داخل المخبزة، عندما لمحتهما، عبر الزجاج، بنفس المشية، يمضيان في طريقهما دون أن يدلفا المخبزة، دون أن يمنحاني متعة تملّي وجهيهما لحظةَ ترنّ فوق رأسيهما تلك الأعواد الملوّنـة...
إنتظرتُ دوري، وقد سبقني كهلٌ سمعته يصفُ إلى البائعة نوعَ كعكعة عيد ميلاد طفلة، وربّما امرأة بالغة، تدعى إيميلي، وهو نفس إسم الطفلة إيميلي، ابنة بائع التبغ الذي عرّجتُ عليه قبيل مصادفتي للمُسنّين، سألتُ والدَها لحظةَ وضعَ أمامي علبة السجائر، فزمّ شفتيه الرفيعتين وهزّ رأسَه كالمتألّم وقال "إنّها مريضة"، لم يكُن من شأن الأسى المرتسَم على وجه والدها ليفاجئني، حتّى عندما علمت بأنّ مرضها بسيطٌ لا يعدو الزكام، فعلاقته بإيميلي وعلاقتها به غايةٌ في التناغُم، تتعدّى تلك العلاقة بين أبٍ وطفلةٍ في الخامسة من عمرها، أصادِفها في كلّ مرة أذهب إلى هناك، إلاّ فيما ندر، وفي كل مرّة أُعجَبُ بذلك المستوى الذي يحادِثها به، وبردودهـا الذكيّة التي تتجاوزُ عمرها بمراحل، كان جوّ متجر التبغِ اليوم على درجة من الصمت الكئيب، كلماتُ البائع، الذي لا أعرف بعد اسمه، وعلى اختصارِها راح يجهدُ لدفعها دفعًا كأنّـهُ هو المريض، احترمتُ حالته وودّعته، متنيًّا لإيميلي الشفاء، حتّى قبل أن أخفي علبة السجائر في جيبي...
فرغ، أخيرًا، الكهلُ من إملاء مواصفات ومكوّنات كعكة عيد ميلاد إيميلي، وفرغت، معه، البائعـة من التدوين قبل أن تصفق غلاف دفترها الصغير بنفسجيّ اللون، وهي تنظر بحزم إلى الكهل، وتضعُ القلم عليه فيتكّ، بما معناه "تمّ الأمـر"، قبل أن تنطلق عضلاتُ وجهِها بابتسامةٍ مودّعـة لا يملك الكهل، معها، إلاّ أن يذهب مطمئنًـا راضيًا غايـة الرضا...وجاء دوري وقد أصابتني، مسبقًا، وأصَبْتُ عدوى من طمأنينة الكهل...
يسوّر الشارع ،الذي قطعته إلى بائعة الخبز، بنوعٍ من أشجار السنديان، جذوعها تمتلئ بأشكال كالخرائط، يابستها ذات لون فضيّ باهت فيما بحارٌ تلك الخرائط، في مثالنا، فضيّتها أكثرُ لمعانًا، أغصانها، عدا الرئيسيّ الذي يستمرّ به الجذع، رفيعة، إبريّـه تتجّـه كلّها إلى الأعلى، تعرّت، والوقت شتاء، من أوراقها التي لا تختلِف، في شكلها، عن ورقة القيقب التي تتوسّط راية كنـدا، أمّا ثمرها الذي يبقى عالقا بأمّه لسنوات فكرويّ في حجم حبّة البلوط، تملأ قشرته الغضّة أشواك، رأيتها، اليوم، كأنني أنظرها للمرّة الأولى، فعريُ الأغصان، بخلفية من سماء تمتلئ بغيوم تتدرّج ألونها من الأبيض إلى الرماديّ الضارب إلى السواد، لا تقلّ، روعةً، عنها وهي ترتدي سندُسها في الربيع، كانت، وهي تبدو كالجطب الخالي من أيّ حياة، ترسمُ على السماء خطوطًا سوداء يفعلُ فعلَ خطوط اللغة على الصفائح البيضاء...
مع الوقت، تأتلِف الوجوه وتنزاحُ تلك الغربة فاسحةً المكان للارتياح والطمأنينة لتحتلّ المكان، وهكذا انتهى الأمرُ بي وببائعة الخبز إلى أن اعتاد كلّ منّا ملامِح الثاني، أشدّ ما شدّني إلى هذه المرأة الأربعينية، ليس أناقةِ ملبسِها، وليس سراويلها اللاصقة التي ما كانت لتشفّ عن بياض الماتحت لولا لونها الأسود، وليس مريلتها الوردية التي تغريني، وربّما أغرت غيري، عقدة رباطها، على شكل زهرة بتويّجات ثلاث، أسفل ظهرها، وهي تستدير لتلقط الخبز، بأن أمدّ يدي لأحلّها، وليس الذي شدّني ذا علاقة بروائح المخبزة والتي امتزج فيها عطر الحلويّات بعبق الخبز الخارج لتوّه من الفرن برائحةٍ تشبِه رائحةَ طحين الشعير يتدفّق من فوهة الرحى بعطر خاصّ لا تضعُ هذه المرأة غيره، وليسَ ما شدّني ألوانُ الخبز بأنواعه الذي بلغ تناغمها مع لون الرفوف، حيثُ تقفُ الأرغفة، درجةً تشكّ في أنّها رفوفٌ من خبز ناضج لا من خشب، ما شدّني قبل كلّ هذا وحتى أكثر من الأعواد الملوّنة ونغمها الطريقة الإحتفاية التي تكرّر بها طلباتي، بابتسامتها التي يستدير عليها وجهها ذي اللون الشبيه بلون رغيف نصفِ ناضجٍ من دقيق الذرة، تمنيتُ لو ملكتُ تسجيل احتفاليتها وموسيقى صوتها لحظةَ تكرّر، من خلفي، كلمة Baguette، كانت باؤها رقيقة في حين أن بائي، وأنا أنطق الكلمة، كانت مفخّمة شأن اللسان الفرنسيّ، وباؤها غيضٌ من فيض، فالباء كانت كومًا والباقي كومًا آخر تابعًا لها، كانت الكلمة تسيل من فمها، بل كانت ذاتَ دفقٍ...ذاتَ سحر...
ــــــــ
*- نوعٌ من الخبز الفرنسيّ
الخميس، 11 فبراير 2016
ألوان
الجمعة، 5 فبراير 2016
أصائـلُ باريـس
أرجوكُم، هكذا بدأت المدرّسةُ حديثَها، نادوني ماري دون ألقاب، بلغتُ لتوّي ستًّا وعشرين سنـة، أستاذة بدرجة ماستر في الأدب واللغة الفرنسييْن، وعلى النولِ نفسِه تعاقبنا، نحنُ الطلبة، نسج تقديمِ أنفسِنا مع تغييرِ طفيف على ما نسجته ماري، حيّدنا "أرجوكُم" وحلَلَنا محلّها جنسيّةَ كلّ منّا، تكلّمت الآسيويات الثلاث، الصينيّتان والفيتناميّة، أوّلاً، بكلمات فرنسيةٍ ولكنة آسيوية لا زالت تعقِل ألسِنتهنّ، ولا يظهر أنّها ستتنازل في مقبِل الأيّام، كُنّ، كما بدون لي، يجاهدنَ لإطلاق ألسِنتهن فيما الألسنة أصابها مسّ من حِران، بل وتقهقرت محبّذة الإلتصاق بسقف الفم، كنّ ينطقن الكلمات، حتّى قليلة الحروف منها، مجزّآت على ثلاث وأربع واثنيْن، انتهى كلّ مقطع، وصُفِّد، مثل السجين، بحرف وسط بين الكاف والقاف، شعرتُ بمعاناتهنّ، بل وجدتُني، في لحظة من اللحظات، أشفِقُ عليهنّ وأتعاطف، ثمّ في لحظةِ تالية غمرتُهنّ، لتلك الشجاعة، بنظرة إعجابٍ وإكبار، كيفَ لا وقد صِرنَ بكليتهنّ طرفًا في معركة تدورُ في عمق الأفواه الثلاثة، كانت معركةً حقيقة لا يبعد، معها، أن تكون جباههنّ قد تندّت وظهورهن سرى فيها خيطٌ من العرق البارد...
بعد الآسيويات اللائي أشحتُ عنهنّ عينيّ وقد ارتسمَ على ملامحهنّ تعبيرٌ لم يسعني تحديدهُ أإنهاكٌ خالصٌ هو أم راحةٌ أعقبت الإنهاك، تحدّث الإيطاليون، فتى وفتاتان نابوليتانيّون، تفعمهم ثقةٌ في النفس قد تكونُ بقايا من عزّ الإمبراطورية الرومانية، لاحظتُ في الفتاتين خاصّةً، بعد أن قدّموا ثلاّثتهم أنفسَهم بفرنسية على سُلّم نوتات إيطاليّ، لاحظتُ في طريقة حديثهما أنّ ثقتهما بالنّفس أضفت عليهما، عندما تحادثتا بلغتِهما ذات حروف العلّة الممطّطة المنتهية بهاء مخفّفة، طابعًا من الشبق، أمامي تمامًا جلست ألمانيةٌ لم تسعفها قامتها في إخفاء ميلِها للبدانة، بدت متحفّظة، محترِسة، لا تشجّع على ربط علاقاتٍ بها، تبتسِم إلى الآخرين بمن فيهم الأستاذة، بقدرٍ موزون بعيارات غاية في الدقّة، هذا النوع، قلتُ في نفسي، عكسَ ما قد يبدو عليه، يغري بالمغامرة، بإخضاعِ التِقنيات للتجريب، لستُ أدري لمَ ومَضَت في ذهني صورة المستشارة الألمانيّة لحظةَ استدارت إليّ مواطنتها، فيما كنتُ أقدّم نفسي، وقد شدّها لِسانيّ الفرنسيّ الفصيح، على يميني جلست، في شبه خمول، مكسيكيّة اسمها غابي، لا يمكنُ لمن يراها أن يُخطِئ أصولها المنحدرة من قبائل الهنود الحُمر، كانت بوجهها ذي البشرة البيضاء المائلة إلى الصفرة، بشعرها الطويل المسدل على كتفيها، بعينيْها الباسمتين على الدوام، بنحافتها المستحبّة وحركاتها الطفوليّة، بعفويتها وهي تمدّ أناملها تمرّرها على ظاهر كفّي في أثناء نقاشٍ هامشيّ دار بيني وبينها حول كلمـة Peau، كانت بضحكتِها الأنفيّة الخجولة التي أتتها بعد أن لمحتُ، بين أوراقها، رسمًا بقلم الرصاص سألتُها عنه، لتجيبني أنّه وجهُ والدها الذي اشتاقت إليه، كانت بعدم معرفتها لأوكتافيو باث، بعدم اهتمامها بسوى تخصّصها التقنيّ، كانت كلّها أشياء تحرّض واحدًا مثلي يحبّ الاكتشاف حدّ العشق إلى الطمعِ بفتحٍ جديد، فتح كفتح كولومبوس بغير دماء بغير استعباد بغير تفكيرٍ في اللحظـةِ التاليـة...
الخميس، 4 فبراير 2016
أصائـلُ باريـس
ومن فوهات خفيّة أسفل مقعدي، داخل الحافلة، تصاعدت، أخيرًا، تيّارات دافئة غمرتني بخدرٍ لذيذ أزاحَ عن اللون الرماديّ، خارجًا، كلّ صلةٍ بالكآبـة، جعلتُ، في دخيلتي، أتمنّى أن تزيد قطرات المطر، ومعها البرودة، ومعها القتامة، ومعها الليل الذي جعل يدنو، فوّةً وقرسًـا وغموقًا وحلكةً، ومعها رحلتي بأن تكونَ بلا محطّة تاليـة...
في المحطّة الثالثة، وكانت لذّة الخدر، وقد اعتدتُها أو كِدت، قد يدأت تزايِلُني بنفسِ إيقاع حلاوة مضغات الشوينغوم وهي تنسحِب، إلتقطتُ من محفظتي، على سبيل تدارُكِ انزياح لذّة بجنيسةٍ لها، كتابًا سحرتني أجواء صفحاته الأولى التي قرأتها من يومين، لكن وأنا أفتحه على الصفحة 38 حيثُ توقّفتُ، عند متراصفات من الأسئلة والأجوبة التي جرت، في اتّصال هاتفيّ، بين المحلّل النفسيّ الصينيّ الذي عاد لتوّه من فترة دراسات عليا بفرنسا، وبين زميلة قديمة له تعمل كمحنّطة للجثث، وقد توفيّ زوجها وصارت إلى أرملة في الأربعين، هنا كانت قد توقّفت قراءتي ومن هنا، والحافلة تتوقّف في المحطّة الثالثة، عزمتُ وصلَ ما قرأتُه مع ما سأقرأه، لكن لا شيء من ذلك حدث، استهوتني تلك البطاقة ذات الطبيعة النابضيّة التي أتوسّلها لتأشير الصفحات التي أتوقّف فيها، بطاقة بلاستيكية مستطيلة بطول علبة السجائر وعرضِها يغلب عليها اللون الأسود، لم أكُن قد انتبهتُ من قبل أنّها بطاقة "وفاء" تخصّ الماركة العالمية Jules، ولم أذكُر، فوق ذلك، أين ولا متى عثرتُ عليها، رحتُ أمرّر رأس سبابتي، وقد أغلقتُ الكتاب ووضعته على فخذيّ، على تلك الكتابة والأرقام البارزة، وعزفتُ لحنًا، أحسستُه أكثر ممّا سمعتُه، فيما كنتُ أمرّر، جيئةً وذهابًا، ظفري بأعمدة الرمز الشريطيّ (Le code-Barre)، كان لحنًا ينطلِق في طرف الشريط مخشوشنًا وينزعُ، شيئًا فشيئًا، إلى الرقّة والعكس، يقترب من صوت آنية القهوة عندما نملأها، يرقّ الصوتُ كلّما ضاق عنُقُ الزجاجة واقترب السائلُ من الفوهة، وفي لحظة ما، والحافلة تبلغ رابع محطّة، غطّت على لحني وعزفي كتكتةُ أطفالٍ وصخبهم، صعدوا إلى الحافلة يقودهم شابّ زنجيّ يلمعُ في شحمة أذنه قُرطٌ كريستاليّ بحجم وشكل حبّة البنّ، وبأوامر صارمة وقسمات لا لين فيها أخذَ يعيّن لكلّ طفلٍ ولكلّ طفلة المكان أين يجلس وتجلس، عدتُ إلى الكتاب على اهتزاز الحافلة المعلنةِ استهلالها الرحلة، أتلصّص على تلك المكالمة الهاتفيّة بين المحلّل الصينيّ وزميلتِه محنّطة الجثث التي صارَت ذاتُ لقبٍ من بين ما يوحي إليه عطش جسدِها، لكنّني وجدتُنـي، للمرّة الثانيّة، أنشغِلُ عن الجمَل وعن العبارات والأوصاف، فقد حلّ محلّ البطاقة المستطيلة، هذه المرّة، وجهُ الطفلة التي قادها الزنجيّ صاحب القرط إلى الجلوس بجانبي، لمحتُها بطرف وهي تنقلُ نظراتها بين الكتاب المفتوح أماميّ وبين وجهي، تظاهرتُ بأنّني لم أنتبِه إليها، وهو تصرّف، بالنّسبة لطفلةٍ في السادسة أو السابعة، استصغارٌ وعدم اهتمام، ثمّ رأيتُها، وقد بلغ استفزازي اللامبالي لها درجةً لا سبيل إلى طاقتِها، تسندُ رأسهَـا وتنفخ، في تظاهرٍ ومسرَحَة، أنفاسًا وتأفيفًا تحرّكت عليها حوّاف الصفحةُ التي تظاهرتُ أنّها استغرقتني، كانت تُنيم خدّها الأيسر على ظاهر كفّها المسند بحافّة المقعد الذي أمامَنا، أغلقتُ الكتاب فربّما، قلتُ في نفسي، أنّني بهذا سأهيّئ لها مجالاً لتكون البادئة في الحديث، إلاّ أنّها وكأنّي بها ردّت إليّ الإساءة بما هو أسوء، عوض أن تكلّمني راحت تمسحُ آثار كتابات طفوليّة حمراء وخضراء من على راحتها، كنتُ أنظرُ إلى أصابعها وهي تتابِعُ، محوًا، الخطوط والحروف عندما صرخ الزنجيّ الواقفُ في الممرّ "اقتربنا من المحطّة سننزل يا أطفال"، شعرتُ بشيء كالضيقِ، فقد تعشّمتُ في أن تطولَ تمثيليّتي والطّفلـة أكثر من هـذا، وفيما كانت الطفلة تهمّ بالوقوف وتفحصُ حقيبة ظهرها رفعتُ كفّي أمسحُ بها على شعرها، استدارت إلي وابتسامتها تشعّ في وجهها، سألتني، بسعادة، وعلى نحوٍ بدت معه كلماتها مزنوقة تحاولُ الكلمةُ رفسَ سابِقتها، شعرتُ بالذنب وأنا الذي حرمتُها من حديثٍ كان قد يدخِل إليها بهجةً وسرور، سألتني "هل أنتَ حزائريّ ؟..." أجبت، فيما كانت قد ابتعدت في الرواق قليلاً، "نعم أنا جزائريّ"، وعند الباب المشرّع، وقد ابتسَم إليّ الشابّ الزنجيّ وأمسك بكتِف الطفلة يستمهلها ليتيح لنا اتمام حديثنا صاحت، وفي وجهها تعبيرٌ مثلَ التحدّي "أنا أيضًا جزائريّة"، من على الرصيف رأيتها من خلف الزجاج، رفعت يدها تودّعني ورأيتُ شفتيها تتحرّكان بما لم أستطِع تبيّنه من كلمات...تذكّرتُ، بعد وقت، أنّني لو أبكرتُ في الحديثِ إلى الطفلة كنتُ ربّما عرفت، على الأقلّ، اسمها، ثمّ بدا لي الأمرُ، هكذا كما تمّ، أسحـر، فربّما كان غير ما حدث يزيلُ السّحر عن حديثي إلى الطفلة مثلما قد يزيل الفيلم المتحرّك ما وجدتُـهُ في صورة الممثّلة الصامتـة...
الجمعة، 29 يناير 2016
أصائلُ باريـس,
الاثنين، 28 فبراير 2011
أخنوخن
··· أشعر باللثام يخنقني، الأصوات بدأت تخفت والألوان بهتت فلم يبقَ منها غير سواد وبعض بياض، هذا هو الموت إذًا، لكن ما هذه النار التي يصطلي بها بطني؟ هل الروح مكمنها البطن؟ أحدّث آنهي بهذا؟ قد يكون، أوليس البطن والشبع هما سبب ما إلتُ إليه، ألستُ من بخث عن اللهو بعد شبَع فأطاح بطلحة صنع منها فخًّا، وعند انتهاء التلهية المشؤومة اكتشف أنّه انضمّ إلى معشر القتلة، ما أشقاك يا أخنوخن! نعم أنا أخنوخن إبن الطاسيلي قتلتُها بيدي هاتين اللتين تحاولان الآن عبثًا فكاك عنقي من اللثام، مذ وعيتُ اللثام وهو يدرأ قرّ الشتّاء وحرّ الصيف عن رأسي، وهاهو اليوم يجهد لاقتلاع نفس الرأس من جذعه، أنا أخنوخن الذي سقط في أوّل امتحان، كلاّ لا تظنّ أن موتك كفيل بأن يكفّر عما جنيته، ما أشقاك يا أخنوخن!
··· لم يعلق من والدي سوى شذرات لا يسعني معها أن أكوّن صورة كاملة عنه، أمّي كانت كل شيء، لا غرو في أنّني إلى السابعة من سنيّ عمري وهي تلقمني ثدييها كلّما عدتُ مساء من رعي الجديان، أما صباحًا، فكان يحلو لي مراقبتها وهي تمخض اللبن، فتجدها تنخرط في نوبة وجد لا علم لي أين تذهب بها، قد تمتدّ نوبتها إلى القيلولة، لم أسألها يومًا، لا أعلم لما، ما أشقاكَ يا أخنوخن! سمعتها في ذلك الصباح من خفيّ بين صخور الطاسيلي، وها أنذا أهتف بها لنفسي: ما أشقاك يا أخنوخن!، لقد تحوّلت النار المستعرة إلى زمهرير يجوس أمعائي، الآن أدركتُ لِما شعرتُ بالقلق وأنا أتلمسُ يد والدتي الباردة وهي مضطجعة عند فوهة الكهف، يومهَا أفقتُ على مشهد لا عهد لي به، لم أجدها كدأبها تُراقص الشكوة هائمة في الوجد، لمحتُ قبس الشمس يكاد ينفلتُ من خلف شَعَف الجبال، لم أعمد إلى إيقاظها، تذكّرتُ حينها ما كانت تردّده أنّه لو طلعَت شمسُ الطاسيلي على امرأة نائمة فذاك نذير شؤم ما بعدهُ شؤم، ابْتَسَمتُ، انجلى عليّ الآن انبهام تلك الإبتسامة، ساعتها كنتُ أخنوخن الحقيقيّ، أخنوخن الشرّير من ابتسم وإلاّ فما مردّ الغبطة التي شعرتُ بها وأنا أرتقبُ تلعثم لسانها أمامي وهي تعلم بأني شهدتُ مباغتة القرص الأصفر لها، خاب ظنّي لدى عودتي من الوادي بآنية الحليب في يمناي وربما حَسُن، وجدتها لا تزال نائمة، وتمّت كذلك· استحالت الغبطة إلى قلق، حرارة الشمس التي ألقت بأشعتها تحوّلت إلى برودة استشعرتها في يدها وأنا أحاول إيقاظها، عندما نظرتُ إلى وجهها لمحتُ عينها اليمنى التي كانت تدمع كلّما أتت على ذكر الصحراء، القبيلة الطيّبة الجنّ، الأشجار والأعشاب التي تبكي وتتألم وتفرح مثلنا، لمحتُ العين اليمنى نِصف مفتوحة، ينعكس على سوادها النور فتحدّث بتعبير غامض···
··· اللثام الأسود لا يزال يُحكم على رقبتي، صِرتُ أشعرُ بتعرّق في كامل جسدي، جسدي نصفه حارّ ونصفه بارد، هو الموتُ إذًا، عندما كنتُ صغيرًا كان يستهويني العرق الذي يتصبّب من كامل جسدي وأنا ألاحقُ شقاوة الجديان بين الأودية والصخور والقمم، أنتشي كلما استلقيتُ تحت أشجار الطلح، فيتحوّل ذلك العرق الذي يبلّل جلبابي إلى برودةٍ تجعلني أهزء من سياط الشمس اللافحة، مرّةً غفوتُ وأنا أنتشي بالبرودة التي عمّت جسدي، عندما استفقتُ وجدتني بين قبيلة تجار بهيّي الطلعة، أكرموني بالتمر وخبز الشعير، قضمتُ الخبز ودسستُ حبّات التمر في جيبي، لما أريتها أُمّي ابتسمت، ندّت عنها ضحكة جميلة وهي تسمع حكايتي مع التجّار، بعد وقت طويل من ذلك علمتُ لما همّت بالكلام بعد أن سمعت حكايتي ثمّ وأدت كلماتها، والحقّ أنّها أرجأته إلى أن صرت يافعًا، أرسلتني يوما بالجمال إلى المراعي، في أوّل يوم عقلتُ الجمال وتركتُ الثني طليقًا ناسيًا أو متناسيًا ما سمعته من أن الجمال المقيّدة تسير أضعاف ما تسيره الطليقة، فهي في صراعها للتخلّص من القيد لا تلوي على شيء، لن توقفها الجنان الغنّاء ولا الأراضي المفروشة بالنجيل، لن تُغريها رقرقة المياه، لا همّ لها سوى القيد الذي تسعى للتخلّص منه بالسير والتقدّم، أفقٌ يعقبهُ أفق وخفٌّ تقتفي أثر الأخرى، وإن حضر الثني الطليق فهو كفيل بأن يفعل بها ما يفعله سخرك إيبراضن بالصغار، سيضاعف إحساسها بالقيد وهو يتقافز أمامها، غاب عنّي ما يحذّر منه حكماء الرعاة، ثنّيتُ الغلط عندما فكّرتُ أن الجمال لا يسعُها الإبتعاد بالقيد فاستثقلتُ قربة الماء، مشيتُ يومًا فيومين ووجدتني في آخر النهار أترنّح ظمأً، قالت والدتي أنّ الصحراوي إن لم يمت بأحد ثلاثة: الظمأ، أو السيول أو البغتة فسوف يبلغ من العمر عتيًّا، كدتُ أقضي بأول الأسباب لولا قبيلة كريمة وجدت نفسي بعد أن زايلتني الغيبوبة محاطًا بعنايتها، ارتويتُ عندها بماء لم يسبق لي تذوق عذوبته، ازدردتُ طعامًا ما كنتُ أتصوّر وجودًا لمثله، رفعتُ رأسي فهي جمالي باركة في سكينة فيما يلي الخيام، وعند إحساسي بالعافية هممتُ بالرحيل، سار معي شيخ منهم أعتقد أنه الزعيم، ودّعني مُصافحًا وقال ناصحًا ''مِن آي نُبل الصحراوي ألا يلجأ إلى قيد إبلِه''، عند عودتي إلى البيت أعدتُ على والدتي ما حدث، تكلَّمَت هذه المرّة ولم تُبطن كما حدث من قبل، قالت: لقد غدوت رجلا يا أخنوخن، وثمّة ما لا بدّ لك من معرفته، سكتت فترة بدت لي طويلة حتّى كدتُ أستحثّها أن تُكمل لولا أنها سبقتني: هذه الأرض يا ولدي، هذه الطاسيلي التي نعيش عليها كانت قطعة من السماء، من فردوس السماء، سكنها قبلنا الجنّ، وهم أهل الصحراء الحقيقيون، استجار بهم أسلافنا من الجوع فأجاروهم، على أن يقبل بنو الإنس شرطهم، أتعلم ما كانهُ الشرط يا أخنوخن؟ إنّه نفس ما أنصحك به، لا تبتروا فروع شجرة لم تزل خضراء، لا تجتثّوا عشبة من جذورها، لا تذبحوا ضبًّا، ولا تفتكوا بأنثى ودّان وهي نتوج، عاش بعدها أجدادنا بين ظهراني الجنّ في خير ينعمون، حتى جاء العام الذي هبّ فيه القبلي برماله، فجفّت الينابيع، وحلّ الجوع بديلاً للشبع، إبتزّ الظمأ مكان الرُوُيّ، وصار الضيق نِثارَ محوٍ للسِعة، فانبرى الإنسان للأغصان يقطعها، إجتثّ الأعشاب وأكل جذورها، ذبح الضبّ واصطاد أنثى الودّان وهي حبلى، وختمها بأن كمنَ إنسيّ لجنيّ فقتله بسبب سباق حول عذراء كان لهما، عندها يا أخنوخن انسحب أهل الصحراء الحقيقيون إلى الخفاء وتركونا في صحرائهم هائمين، لا تنسَ يا ولدي أن الجنّ إخوتك في الدمّ، وهم أخيار ونحن أول من أبدى الشرّ··· هم من أنقذ حياتك بالأمس وهم من أعطاك التمر وخبز الشعير مِن سنين···
··· ما هذا الذي أحسّ؟ شيءٌ أشبه ببيضة نعام تصعد في جوفي تكاد تبلغ صدري، هو الموتُ إذًا···
يوم وفاتها زارني شيوخ يرتدون زيّ التجار، علمت أنّهم من الجنّ، سهر معي الشيوخ ثلاثًا وطهت نسوتهم حساء زكي الرائحة لم ينجحن في سعيهن الحثيث بأن أتذوّقه، في ثالث يوم تركتني القبيلة الطيّبة واتّجهوا غربًا، إلتقوا بالرعاة فأخبروهم بالوفاة ليتقاطر بعدها الإنس، فوجدوا أن الواجب سبقتهم إليه قبيلة أنبل منهم وأكرم، في الأيام التي تلت عدوتُ بين الوديان كمجنون ينوح ويرغي فسمعتُ الجنيّات ينحن معي، الدمعتان اللتان أحسّهما تنحدران من مقلتيّ الآن أصدق دمعتين لي في هذا الوجود، لم أرَ منهم غير الخير، أما أنا فلم أكُن إلاّ محاكٍ لأسلافي الذين أبدوا الشر لهؤلاء الأخيار، عمّ الطاسيلي هذا العام خير لم يشهد شيّابنا مثيلا له، فاضت المطامير سمنًا وتمرًا، وامتلأت بطون أبناء الصحراء لحمًا وحليبًا، قصدتُ يومًا وادي أميهرو، قادني شيطان الشبع إلى التسلية فأطحت بطلحة وصنعتُ فخًّا لا لشيء إلاّ لألهو، بعد ثلاثة أيام من ذلك سمعتُ التّهمة لأوّل مرّة وأنا أحتطبُ، لقد جاءني الصوت من جهة كهف شديد الظلمة، هتف ''ما أشقاك يا أخنوخن! لمَ قتلتها؟''، لم أفهم يومها مقصده، بل استغربته، فكثيرة هي المرات التي سمعت فيها نداءات وأصوات أهل الخفاء، لكن أن أُرمى بالقتل فهذا ما لم يحدث قطّ، مساءً آثرتُ النزول من الكهف والاضطجاع بالقرب من الجمال أسفل الوادي، لم أعِ كم من الوقت مضى عندما انتبهتُ للجلبة التي أحدثتها الجمال بفزعها، كانت باركة فهبّت واقفة مهّددة بالهرب، ما كنتُ قد استعبت الأمر جيّدا عندما رفسني على عجيزتي، وهوى عليّ بهراوة لا شفقة فيها، لم يتوقّف إلاّ بعد أن صرختُ طويلاً ''كفى! كفى!''، سمعتُ خشخشات الحصى والرمل تحت قدميه وهو ينسحب، لقد كانت ضرباته موجعة ويداه شرستان، عندما بركت الجمال ثانية وعادت تجترّ من جديد تأكّدتُ أن الزائر الثقيل قد ابتعد، حضرتني ليلتها ما كانت تقوله أمّي من أن فزع الجِمال بلا سبب هو آية على إقبال أهل الخفاء، اضطجعت على ظهري وطفقتُ أتحسّس مواقع الوجع، وفي غفوة بدت لي كومضة البروق التي تسبق سيول الطاسيلي تمثّلت بوضوح صورتي وأنا أصنع الشَرَك، لم أنتظر طلوع الفجر، سرّجتُ المهريّ وقصدتُ المكان الذي اختارني للتسلية منذ ثلاثة أيام، وصلتُ والشمسُ في أوّج جبروتها، لحن السكون السرمديّ يرقص على إيقاعه سرابٌ يُلاعب شَعَف الروابي والتلال، لمّا وقفتُ أعلى الحفرة اقشعرّ بدني، لقد طالعتني بخوائها، سقط الودان في الشرك وجرجره معه، سرتُ يقودُني الوادي في اتّجاه الجبل، فلم يغب عنّي من أن وجهة الودّان أبدًا إلى القمم، عثرتُ في مسيري على قطرات دم، بضعُ بعرات هرستُها بين أصابعي فحدستُ من تيبّسها أنّها تعود إلى ثلاثة أيام، الودّان سقط في الشرك في الليلة التي تلت نصبه، حينما اقتربت من القمّة صادفتني صخور ملساء رقمها الأسلاف بتيفيناغ، تُهتُ مع الخطوط أتأمّلها حتّى أفزعني نعيق غراب يحوم، رفعتُ رأسي فإذا به المشهد الذي جعلني ألطم وجهي صارخًا ''ما أشقاك يا أخنوخن! لمَ قتلتها''، استطاع أن يجرجر الشرك إلى القمة، علق بين صخرتين فهوى الودان، ما أشقاك بفعلتك يا أخنوخن، وقف طائر جارح على الحيوان الذي بقي معلّقا يتأرجح في الهواء، بقر بطنه فمشيمته ف··· ما أشقاك يا أخنوخن، من بين الدم الممزوج بالمخاط أطلّ رأسٌ صغير، لقد كانت حبلى، ما أشقاك يا أخنوخن··· شعرتُ بالغثيان وأنا أنزل من القمة عدوًا، تقيّأت بصوت أرجعت صداه القمم البعيدة، أكانت تبكي تلك القمم أم يا تراها كانت تقول بلغتها ''ما أشقاك يا أخنوخن! لمَ قتلتها''؟···
··· ها هي إحدى العَبَرتين تتسرّب إلى فاهي وها هي ملوحتها تلمسُ طرف لساني، الشيء الذي هو في حجم بيضة النعام أسفل صدري في مكانه لم يزل، اللثام لم تثبط عزيمته بل كأنني أسمع تكتكات غضروفٍ يتفتّت في عنقي، ليلتها عرفتُ مقصد الهاتف وتأكّدت من أنّني لم أُحسن الإختيار، آثرتُ طريق الشرّ، يومها قرأتُ في عين الودّان اليمنى ما قالته عين والدتي نصف المفتوحة، وهي تعكس أشعة الشمس عند فوهة الكهف، تكرّرت زيارات الجلاد، كان قاسي القلب، يضرب بشراسة غير أنّه كان أرحم منّي، كان في كلّ مرّة يتجنّب رأسي والمواطن المُميتة، فما أرحمهُ من جلاّد وما أشقاك يا أخنوخن!···
··· تكرّرت زيارات الجلاّد حتى اعتدتُها، أصبحتُ ذليلاً مثل حمار حرن ولم يقم فأراد صاحبه إذلاله وفي اعتقاده أنّ التي بالحمار عزّةُ نفس، حدث لي ما حدث للحمار ذات ليلة فحاولتُ الفرار من إحساسي بالخسّة، عدوتُ وهو خلفي بهراوته، وصلتُ إلى أدبني، صادف أن قادتني قدماي إلى القبر الذي سكنته والدتي منذ شهور، توقف الجلاد عن ملاحقتي فعلمتُ مكانتها عندهم حتّى وهي تحت التراب، وجدتُ القبر ملاذًا فغدوت أتوسّد حجارته، لكن الملاذ عاد فتصور لي سجنا، فأين أنا من غدوّي ورواحي في أطراف الصحراء، أضحيت مستجيرًا بكومة من التراب والحجارة، ما أشقاك يا أخنوخن!، عزمتُ التخلّص من السجن فوجدتني ليلةً أفتح القبر لأحمل جمجمتها، هالني ما آلت إليه، لم يبق ما يدلّ عنها غير خصلة شيباء بقيت عالقة، حملتُ الجمجمة في جراب وعدتُ إلى الصحراء أهيم، لم يقربني الجنّي طيلة المدّة التي كانت الجمجمة معي، لكن للقدر دوما ما يخبّئه، داهمني السيل في إحدى الليالي فجرّني ومتاعي، ليلتها كدتُ أقضي لولا أن استعنتُ بطلحة تعلّقتُ بها، سيل الطاسلي مارد، لا يضيره إن كنت إنسيَّا أو قشّة، شجرة طلح أو بعرة، كلها سواء وكلّها لعبة لألسنته، ما أشقاك يا أخنوخن! زايل الوادي السيلُ بأسرع مما حلّ، بحثتُ عن جمجمتها فلم أعثر سوى على جزء من السرج وقطعة الوبر التي أوهمتُ نفسي بأن تعبير الفجيعة سيختفي إن أخفيتُ بها غور العين اليُمنى، ما أشقاك يا أخنوخن! في تلك الليلة زارني جلاد الليل، لم يصطحب معه هراوته بل جاء بما هو أقسى، قال ''ما أشقاك يا أخنوخن، هل نسيتَ أنها كانت تزورك بعد أن ماتت كل ليلة لتغنّي لك في الكهف، لكنّك عندما طلبت منها اللبن كان عليها أن تتحوّل إلى أمّ، تحوّلت إلى أنثى ودّان حبلى فاصطدتها، ما أشقاك يا أخنوخنئ! هي والدتي أيضًا يا أخي، فلمَ قتلتها؟'' انسحب وراح يردّد بصوت شهيق ''ما أشقاك يا أخنوخن!'' عدوتُ مثلما لم أعدُ لأجد نفسي في قمّة الجبل، رمتُ الفَناء فهويتُ إلى الوادي السحيق، لكن طرف اللثام علق بنتوء الصخرة المرقومة بتيفيناغ فبقيتُ معلّقًا، القدَر رأى أن يأتيني الموتُ -كضحيّتي- لا أن أذهب إليه··· بيضة النعام صعدت إلى الحلق وأحكمت إغلاق ما لم يقدر اللثام على سدّه من منافذ··· هو الفناء الذي أستحقّ إذًا··· فما أشقاك يا أخنوخن!
معاني الكلمات التي وردت بلغة الطوارق
تيفيناغ: الكتابات الموجودة على صخور الطاسيلي·
آنهي: كتاب مقدّس بالنسبة للطوارق يحتوي على حكم الأوّلين·
أدبني: قبور الأسلاف·
سخرك إبراضن: طائر زاهي الألوان يقال إنه يستدرج الأطفال لأن يتبعوه ليُتيههم في الصحراء·
الأحد، 20 فبراير 2011
أما آن لك أن تترجّل؟... الفراعنة اليوم روحُ موسى، ولروحٍك هذه الإنحناءة يا بوعزيزي
- هل أنتَ مصرّ؟... سألتُه
- وهل أتيتَ بعد كل هذه الأعوام لتركسني؟.... ردّ وابتسامته إلى السخرية أقرب.
أقعيتُ في ظلّ الصخرة فبدا لي أعلاها على غير عهدي به، رحتُ أتأمله علّ ما تبدّل فيه ينجلي، ولما طال بي الحالُ سألني ضجِرًا ''ما بك اليوم؟... أنت تُخفي شيئًا؟... أتمنّى ألاّ تكون قدماك قد نسيتَا موضعهما''، لم أُلقِ بالاً لكلامه وأقمتُ أسبرُ تقاسيم وجهه وشعور يلفّني بأنّه ليس نفس الوجهَ الذي أراه كلّ مرة، كانت شفتاي تبتسمان بظفر على وقع صوت يقول بداخلي ''أتى من يُنزلك من عليائك يا ابن....''.
- إن لم يكن لديك ما تقول فذهابك أفضل، لدي ما أعمله...
- إنزل وجالسني هنا حتى أقول...
- ماذا؟... هل جُننت (قاطعني وبنبرة غاضبة) أنت؟ أنت تُحاذيني؟ وربّما لمس كتفي كتفَك؟... أنسيتَ من تكون ومن أنا؟ حقًّا إنّك لَ....
- الحقيقة أنّك تضطرّني -كلما نظرتُ إليك- على ليّ عنقي الذي أصبح يؤلمني من فرط إبقائه معوّجًا...
قهقه طويلا قبل أن يردّ: إسمعني جيّدًا، لستُ أنا من يرتاع لألمك، إبق كما أنت، أنت هنا وأنا هناك (وهو يُشير بسبابته الأرض ثمّ إلى السماء)، وربّما أتيت تقول لي يومًا ادعني أصعد أعلى الصخرة معك، أرجوك!!'' قال هذه العبارة مُتصنِّعًا صوتًا ذليلاً.
- لكن الحال اليوم غيره الذي كان... وفرقعتُ في وجههِ قهقهةً أردتُ لها أن تكون أطول من قهقهته، عندها مطّ بوزه وزوى ما بين حاجبيه متفكّرًا، أما أنا فجعلت أنكتُ الأرض بأحد العيدان التي أتى بهاالوادي موسم فيضانه، وقبل أن أرمي به غير بعيد كنتُ قد نهضتُ فصار رأسي في مستوى رُكبتيْه، وعدتُ أرنو إليه بسخرية أربكته، قبل أن أسأله ''أما آن لك أن تترجّل؟..''. لم يحر جوابًا لأن مشروع كلمة بدت كهمهمة على شفتيْه لم تلبث أن تلاشت باشتداد ارتباكه الذي تحوّل ارتعادًا حتّى خيل إليّ أنّه سيهوي من أعلى الصخرة، ضحكتُ قبل أن أُكمل: أجَل، إني أعي ما أقول، أما آن لك آن تترجّل من عليائك؟... هذا زمن طويل مذ أهنتمونا أنت وأمثالك واستكبرتم، سلفكم ردّ يوم طُلب منه السجود بأنّه من نار ونحن من طين، ها هو واحد منّا - وسحبتُ صورة جسدٍ يشتعل -... قاطعني وهو يُحدّق في الصورة بعينيْن حسِبتهما ستتحرّران من محجريهما ''أبدًا، أبدًا، هذا الذي أرى ليس بشرًا، لا لا تُعِد أمامي مثل هذا الكلام''.
- كلاّ يا عزيزي هو بشر، شُعلة النار التي تراها بشر مثليّ - صمتُّ قليلاً ثم أردفتُ بعد أريته صورة نفس الشاب مُبتسمًا - وها هي صورته، أليس هذا إنسان مثلي، مرّت السنون والأعوام والقرون عن تلك القولة التي اتخذتَها وأمثالك شعارًا ''أنا خلقتني من نار وهو خلقته من طين'' واليوم هانحن نُريكم أننا نستطيع حين نشاء أن نكون نارًا، أما آن لك أن تترجّل؟...
وقبل أن أُتمّ كلامي كان قد وثب من أعلى الصخرة وراح يعدو في مجرى الوادي وصوتٌ غريب يقتفي أثرَه لم أتبيّنه أقهقهة كان أم نحيب...
الاثنين، 3 أغسطس 2009
ألا يوجد جواب من دون زكام ؟•••
خاليًا كان في ذلك المساء الرمادي، كانت السماء تُمطِر بهدوء، بالكاد تسمع قطراتها التي كانت تنساب على زجاج النافذة···
في الصباح، كانت القطرات عنيفة، غاضبة، ساخطة، كانت تنطحُ الزجاج و كأنّها جيشٌ أراد اقتحام شقّتي الدافئة، لا أعلم لما قطراتُ المساء غالبًا ما تكون أودع من شقيقاتها الصباحية···هل هذا حقيقيّ أم أنّه يبدو لي أنا فقط··· جعلتني قطرات المساء تلك أعتقد أن السماء كانت تُغازل الأرض بهذه المداعبة الصامتة، فجأةً، بدت بالشارع فتاة ذات فستان أحمر، كانت تحمل مطريتها المقفلة بيدها اليسرى، محفظتها كانت بيدها اليمنى، كانت تستمتع بقطرات المطر التي تُبللها ببطء،
وجدتُني أسأل نفسي ألا تخافُ تلك المخبولة من ضربة برد؟···تمنيْت لو سمعتني تلك الحمراء، رجَوتها في دخليلتي أن تُجيبني ، للأسف، لم يكن يسمعني إلا أنا···
برغم النافذة المغلقة، بلغتني طقطقة عقب حذائها الحديدي····طقطقةٌ صنعت و صوت المطر سمفونية جميلة···كانت تتهادى في مشيتها كما لو كانت ترقص على إيقاعات تلك السمفونية··· أتُراها تراني؟··· يا ليتها تراني، يا ليتها تُجيبني إلى أين تغدو····
مع مرور الوقت، أضحى الزجاج مضبّبًا بفِعل البخار الذي أصدره فاهي، رسمتُ دائرتين كي أرصد فتاتي الحمراء، كانت لا تزال تسير موحيةً للرائي بتلذذّها بالمطر، مطريتُها مُقفلة دائمًا، كلما ابتَعَدت قليلا قمت من دون أن أعي بتوسيع مساحة الدائرتيْن حتى التقتا و تداخلتا الواحدة في الأخرى،
كانت الفتاة كلما ابتعدت صغُر حجمها، كلما ابتعدت اقترب وجهي من الزجاج، لدرجة أن أنفي أبَى إلاّ أن يرسم دائرةً بدوره، كلما ابتعدت ودِدتُ لو كنت جنيًّا ذا جناحين، أُحطّم ذلك الزجاج اللعين و أطير إليها،
بعد مدّة أضحت تبدو نقطة حمراء تميل إلى السواد، بِصغرها كبُرت رغبتي في الخروج إلى الشارع و اللحاق بها، لم أستطع كبح هذه الرغبة، خرجت مُسرًعا إلى الشارع، كنتُ حافيًا، لا أرتدي إلاّ بيجامة نومي، كانت الفتاة بعيدة، و كنت أجري و أجري و أجري، و كانت السماء لا تزال تلعب لعبتها اللذيذة مع الأرض، غير عابِئتيْن بما يجري حولهما، عفوًا في خضمّهما، كانت قدماي تقتحم برك الماء الموجودة في الشارع بلا وجل، ابتلّت بيجامتي و لم يكن لي متسع من الوقت كي أُفكر في العواقب، فجأةً أحسست و أنّ شخصًا ما يُراقبني، رفعت رأسي إلى نافذة تقع في الطابق الأوّل لإحدى البنايات العتيقة التي يعود بناؤها إلى القرون الوسطى، لمحتُ شخصًا ينظر إلي من خلال تلك النافذة و قد تضبّبت نافذته، لقد رسم مثلثيْن كي يرقبني من خلالهما، لم يكن يظهر غير عينيْه، لم أتبيّن أرجل كان أم امرأة، توقّفت في مكاني لحظة، خطوتُ خُطوة إلى الأمام ثم أخرى إلى الوراء، وقفت في وضعية أشبه باستعداد الجندي بباحة العلم، لا أعرف ما أفعله،
بعد ساعة، قرّرت العودة إلى البيت، لم أمنح ذلك الذي كان يرقُبُني فرصةَ لحاقي كي يسألني ما دهاني أجري هكذا، لم أكن أعرف أ جعلته مسكينًا بخيبتي و عودتي تلك، أم كان محظوظًا يا ترى؟···
دخلت شقّتي و قد انتابتني نوبة عطس حادّة، أعراض الزكام بدأتني، كنت برغم هذا أشعر بسعادة عارمة، كيف لا و قد وصلتُ إلى جواب الحمراء مع أنّي لم ألتقيها، عثرتُ عليه مخطوطًا في إحدى صفحات ذاكرتي المنسية، لم ألتفت إليه منذ زمن، أو ربما أهنتُه و لم أُعره اهتمامًا، و ها أنذا أجري وراء تلك الحمراء لتعطينيه···
لقد كانت مثلي تبحث عن جواب، كانت تجري وراء السماء لتسألها أن تحكيها قصة حبّها مع الأرض، ها أنذا أعثر عما بحثتُ عنه، أتُراها الحمراء عثرت على جواب سمائها أم لا، أتُراه صاحب المثلثيْن أو صاحبة المثلثيْن اقتفى أو اقتفت أثري ليسألني أو لتسألني؟···
ملَلتُ الأسئلة، لن أبحث بعد اليوم عن جواب، سوف أحثُّ، من اليوم، كل من يسعى إلى جواب أن يطلّ من نافذته، سوف أبقى أُطلّ من نافذتي أنا أيضًا، وكفتنا الدوائر و المثلثات شرّ الزكام·